شعرية التناص في قصيدة “تقول الحمامة للعنكبوت” لتميم البرغوثي.

يعد التناص من المفاهيم التي لاقت اهتماما واسعا من طرف النقاد والدارسين الأدبيين، فهو يعنى بذلك التعالق بين النص السابق وما تلاه من نص أو نصوص، مما يعني أن كل إنتاج أدبي هو تكرير لنص آخر، إذ يحملان معا نفس الصفات، وقد يكون هذا التعالق بين نص شعري ونص شعري آخر، أو بين نصين من جنسين مختلفين، فالكاتب عند قراءته للإنتاجات الأدبية يخزن ويراكم لا واعيا مجموعة من الأفكار التي يستفيد منها في كتاباته المقبلة، ومنه يشكل تعالقا بين ما اطلع عليه وما أنتجه. ليأتي بعد ذلك دور المتلقي ليكشف عن هذا الترابط ومكامن التشابه بين هذه الإنتاجات.
تبعا لهذا، وبعد قراءتي لقصيدة “تقول الحمامة للعنكبوت” من ديوان “في القدس” للشاعر تميم البرغوثي، لا أستطيع إلا أن أجزم بأنه قد وظف الرمز لتعميق دلالات القصيدة والبعد الإيحائي فيها، هذا الذي تتسع جماليته كلما ارتبط الرمز وتعلق بالواقع، فالرمز الأدبي ليس إشارة إلى مواضعة أو اصطلاح معين، وإنما مداره حول علاقة اندماجية بين المحسوسات الرامزة، ومستوى الدلالات المعنوية المرموز إليها. “فهو من المجاز الذي يقوم على توسيع الاستعارة حتى تخرج عن حدود الجملة، فتصبح حكاية تطول أو تقصر” .
وقد تحدث رينيه ويليك وأوستن وارين عن الرمز فقسماه إلى ثلاثة أنواع: الرمزية التراثية، والرمزية الخاصة، والرمزية الطبيعة.

ويمكن ملاحظة بروز الرمز التراثي في هذه القصيدة، منذ عتبة العنوان: “تقول الحمامة للعنكبوت”، فقد استدعى الشاعر هذين الرمزين من التراث الديني الإسلامي العربي مستفيدا من مبدأ التلميح الذي يعد شكلا من أشكال التناص. فيحيل الرمز إلى مرموز معين، فتستدعي هذه الإحالة بصفة خاصة ذاكرة القارئ، ويفترض في هذا الإيحاء في الواقع أن يفهم القارئ من عبارة مبطنة ما يريد المؤلف منه، فيفهمه بدون أن يصرح له بذلك” .
فنجد تميما استدعى شخصيتي الحمامة والعنكبوت، وجعلهما رمزا لزمن يحن إليه، زمن عرفت فيه الأمة العربية أوج القوة والتماسك، وأزهى فترات الازدهار على مستوى جميع المجالات، وهو ما عبر عنه في قوله:
يا أخية هل تعلمين
لقد كان في الغار وعد بأن السماء ستنثر
مثل أرز العروس على العالمين
لقد كان في الغار دنيا من الصين حتى بلاد الفرنجة
أسواقها وميادينها وقوافلها وعساكرها وصياح المنادين
بسط الجوامع، آي المصاحف أضرحة الصالحين
ارتجاف الأغاني ابتسام المسنين
خبز اليتامى نقوش الأواني
وشاي الصباح يعطر بالمريمية والياسمين
فقد انطلق في هذا المقطع بالفعل الماضي (كان) وكرره، ليحيل على حادثة هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤكد ما كان لها من أثر بالغ على تغير أحوال الأمة، فقد انتشر الإسلام شرقا وغربا، وعرفت الأمة أزهى فتراتها، فعندما تخاطب الحمامة العنكبوت مذكرة إياها بذلك الحدث، فإن تميما يخاطب الأمة العربية ويذكرها بأمجادها.
لتأتي بعد ذلك الحمامة لتذكر العنكبوت بحادثة الغار تقول:
وفي الغار شيخان لا تعلمين حميتهما يومها ام حميت

وقوم أتوا يطلبونهما تقف الريح عنهم من الجبروت
أنقل عيني في القوم ما بين وجه مقيت ووجه مقيت
أتوا فارتعشت فقلت اثبتي تحرزي الخير يا هذه ما حييت
فليس بأيديهم أن تعيشي وليس بأيديهم أن تموتي
سنحمي الغريبين من كل سيف بريش الحمام وأوهى البيوت.
غير أن استحضار رمزي الحمامة والعنكبوت، وتضمين حادثة الغار نقلا عن السيرة النبوية لم يكن بغاية التذكير بأمجاد الأمة فقط، فالرمز والتلميح لا تنحصر وظيفتهما في الإحالة على النص السابق، فوظيفة التناص بشكل عام هي وظيفة تحويلية ودلالية؛ “إذ أن الأمر لا يتعلق بإعادة انتاج المادة المقتبسة بحالتها القائمة الأولى، ولكن بتحويلها ونقلها وتبديلها” للإحالة على دلالات ومعان جديدة، وهو ما حاول الشاعر فعله عند قوله:
ثم انهمكت لكي تنسجي للغريبين ليلا حنونا
يكون من الليل ليلا بديلا
وقمت أنسق عشا فسيحا
دعوت إليه الطيور قبيلا
أخية فلتنظري الآن حولك
ما تبصرين؟
فإذا كان عن طريق آلية الاسترجاع سعى إلى التذكير والاحتفاء بالأمجاد، فإنه عن طريق الاستشراف سعى إلى المقارنة بين حال الماضي وحال الحاضر لاسيما في قوله: ” أخية فلتنظري الآن حولك .. ما تبصرين؟” فيتساءل متحسرا عن السبيل الذي جعل الأمة تتحول من حال إلى حال؛ من شاي الصباح المعطر بالمريمية والياسمين، إلى صباح مكدر الهواء جراء انفجار القنابل وانهدام المنازل واستشهاد المسلمين.
فهكذا يكون البرغوثي قد تمكن من خلق شعرية النص من خلال اعتماد مقوم التناص. فقد أسعفه استحضار رمزي الحمامة والعنكبوت، وحادثة الغار في توليد معاني جديدة مكنته من التعبير عن مسعاه، إذ أنه لم يقتصر على ذكرها بشكل مجرد، بل استعملها على نحو جعل القصيدة تتحاور بشكل إيجابي مع النص السابق (السيرة النبوية)، اذ استفادت من مضامينها ونقلتها وأنتجت مضامين جديدة.
– المد التساؤلي المفتوح وتكريس جدلية الأمل واليأس.
أشرنا سابقا إلى أن الشاعر في بنائه للمتخيل الشعري في هذه القصيدة اعتمد بالدرجة الأولى على متخيل رمزي أتاح له التعبير عن مشاعره بشكل مضمر ومبطن يستفز الخبرة الجمالية للقارئ حتى يتمكن من فك شفرات هذه الرموز والدلالات المخفية.
غير أن المتخيل الرمزي في هذه القصيدة، كان ميدانا جرى فيه كم من التساؤلات على فم الحمامة. ويبدو أن الشاعر عمد إلى استعمال هذا الأسلوب بوفرة لغرض أساس، مداره حول تكسير رتابة التناص.
فالمتأمل في بنية القصيدة يرى أن توظيف أسلوب الاستفهام فيها يأتي كلما استرسل الشاعر في الاسترجاع، فيأتي بعد ذلك المد التساؤلي ليقطع هذه البنية، فكأن وظيفته الدلالية كانت احداث قطيعة بين حال الأمة في الماضي، وحالها في الحاضر. فتجد بنية القصيدة على الشكل التالي:
بنية الاسترجاع: من السطر 1 إلى السطر 37
المد التساؤلي: من السطر 38 إلى السطر 51
بنية الاستباق: من السطر 58 إلى 71
ويبدو أن هذا المد التساؤلي قد أدى وظيفة شعرية؛ فإذا كانت شعرية التناص لا تتحقق إلا بعد نقل المعاني القديمة وتحويلها إلى دلالات جديدة، فإن الشاعر قد توسل إلى الاستفهام لتأدية هذه الوظيفة التحويلية. فتساءل على لسان الحمامة، وخرجت أسئلته عن مقتضى الظاهر، فأخذ السؤال في هذه القصيدة معاني متعددة لعل أبرزها:
– سؤال المدرك الذي يسأل غيره ويتساءل معه.
– سؤال الحان لزمن مضى.
– سؤال المتحسر المستنكر للواقع المعاش.
– سؤال الآمل المسكون بهاجس التغيير.
فعندما يتساءل الشاعر:
أخية ماذا جرى لهما
أترى سلما
فتساؤله هذا سؤال المدرك الذي يسأل غيره ويتساءل معهم، فالاستفهام هنا ليس بالاستفهام الحقيقي، فهو يعرف حق المعرفة مآلهما ومآل رسالتهما. وإنما سؤاله كان بغاية الاستنكار، حيث نلمس فيه نبرة الحيرة والحسرة على تبدل الأحوال. فيتابع استنكاره وحسرته:
يا أخية ماذا جرى
لأرى ما أرى
فلقد طفت ما طفت تحت السما
ولم أجد أحدا منهما
وكأنهما
لم يكونا هنا
لم يحلا ولم يرحلا
أخية ضيفاك ما فعلا
أو لم يصلا للمدينة
أم وصلا
يا أخية ضيفاك ما فعلا
أترى أسرا أترى قتلا
أترى بقيا صاحبين أم انفصلا
يا أخية ضيفاك ما فعلا
فقد استنكر الحال التي وصلت إليها الأمة، بالتحديد عند قوله: “وكأنهما لم يكونا هنا .. لم يحلا ولم يرحلا”، فهو يدرك أن الصاحبين كانا في الغار، ويدرك أنهما وصلا إلى المدينة، وأن رسالتهما قد بلغت، غير أن تغير أوضاع الأمة وتقهقرها هو ما جعله يتساءل عن شيء هو مدرك له.
فالمد التساؤلي في هذه القصيدة كان بمثابة الحد الفاصل بين الفخر بالأمجاد، وبين حالة اليأس التي وصل إليها الشاعر. فتجده عبر عن يأسه من حال الأمة بوصف الغار، الذي جسده في القصيدة كرمز من رموز الحياة:
يا أخية هل تذكرين
غداة أناديك هل لك هل لك
أن ندخل الغار أهلي وأهلك
فالغار أوسع من كل شيء
هو القدر الدائري الذي كان قبلي وقبلك
فالغار الذي كان بمثابة المكان الواسع الفسيح، تحول اليوم إلى طلل، وهذا التغيير الذي طرأ على وضعية الغار، ليس إلا تشخيصا مجازيا لتغير الحال في الواقع، وقد أورد له سببا:
أتيتك أسأل عن صاحبينا فلا تقتليني بهذا السكوت
أراك أخية لا تنطقين بأي الدواهي الإناث دهيت
ولو عنود تعود وتفنيك وهي تخلد إما فنيت
وأعرف ما ضرك المشركون ولكن من المسلمين أتيت
تقول الحمامة للعنكبوت بربك يا هذه لا تموتي
تقول الحمامة لما رأت روح حارسة الغار فاضت
وقد أصبح الغار من بعدها طللا
يا أخية ضيفاك ما فعلا.
فالعنكبوت التي تكتفي بالصمت ولا ترد، تجسيد للجانب اليائس من روح الشاعر الذي فاض وكسرته الأحزان، هذه الأحزان التي في نظره، لم يسببها الآخر الذي رمز له بالمشركين في القصيدة، وإنما سببها المسلمون لبعضهم البعض، بتخليهم عن الرسالة المحمدية التي أصبحت طللا من الماضي.
غير أن هذه الأحزان، مهما طالت مدتها، ظل متشبثا بأمل انقضائها، فبعد المد التساؤلي الذي كان بمثابة مطرح للأحزان بشكل ضمني غير مباشر، عاد الشاعر لينثر قطرات من الأمل في قصيدته وعاد ليذكر بالأمجاد مرة أخرى، في إشارة منه إلى أن عودة تلك الأمجاد أمر قادم لا محاله، يقول:
ثم قالت تعزي قليلا
وخلي من الدمع ما هملا
ثم ميلي إلى كل طفل وليد
وقصي عليه الحكاية
قولي له
في زمن مضى
حل في غارنا
غريبان
وارتحلا…
ليكون قد أنهى القصيدة من حيث بدأها، فبقي حبيس أحزانه، يحاربها باسترجاع الأمجاد والتسلح بالأمل الذي لا ينقضي. وهكذا تكون هذه القصيدة قد جسدت صراع الأمل واليأس في نفسية الشاعر. فعن طريق الاسترجاع وتذكر الأمجاد مثل أمله، فتجد هذا الاسترجاع بمثابة الاستصراخ والدعوة إلى النهضة، وكان المد التساؤلي ممثلا للحيرة واليأس.
والخلاصة أن التناص في هذه القصيدة قد أدى وظيفة شعرية صرفة، فمكن الشاعر في التعبير عن أحاسيسه اتجاه الوضع الراهن للأمة العربية، كما مكنه من تبليغ رسالته التي أخذت طابعا رمزيا. وما ينبغي الإشارة إليه قبل الختم، هو أن التناص في هذه القصيدة لم يقتصر على تعالقها مع نص سابق لها، وإنما كان التناص فيها تناصا أجناسيا، فالمتأمل في ثناياها لا شك أنها على شعريتها اتخذت طابعا سرديا، فحفلت بمقومات النص السردي من شخصيات وأحداث وأزمنة وأمكنة بأنواعها، وهو ما زادها شعرية على شعريتها.

شعرية التناص في قصيدة “تقول الحمامة للعنكبوت” لتميم البرغوثي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.