في عيادة الطبيب النفسي

عن الطب النفسي في المجتمعات العربية

غرفة باردة، أرضية بيضاء وستائر داكنة اللون، لا أدري أي مصمم كئيب هذا الذي صمم هاته العيادة. لا حياة فيها، كتلك الوجوه اليائسة التي تنتظر دورها في قاعة الانتظار.

تفتح السكرتيرة باب العيادة بملامح بائسة، وكأنها عجوز بالرغم أنها ما تزال في بداية الثلاثينات. عمر جميل يقولون، غير أن عملها المسكينة رمى بها مع أناس قد أنهوا حياتهم منذ زمن طويل، وما عادوا الآن سوى أجسادا مجوفة تتمشى فوق البسيطة. لا شيء يهم ولا شيء يؤثر، مسكينة هي!
تنادي بالأسامي: “فلان تفضل”. تتطلع على صورته في البطاقة الوطنية وتقارنها بملامح شاحبة فعل بها المرض فعلته، ودون أي تعبير إنساني، تشيح بنظرها للزبون التالي.

بقاعة الانتظار هواء ثقيل، ثقيل جدا. تتوسط القاعة شابة بملامح بسيطة، أو بالأحرى عروس لم يمضي على عرسها الكثير، فحناء يدها ما تزال داكنة اللون، كلون الدم حين يتختر، فماتزال ترتدي الجلباب الزهري والبلغة الذهبية.
مسكينة هي الأخرى!. أظنها منحدرة من البادية، فلكنتها الأمازيغية تشبه جدا لكنة الحاجة ماماس. سأحكي لكم عن الحاجة ماماس فيما بعد ..أما الآن فلنعد إلى صاحبة الحناء.

بصوت مرتفع تحادث- من أظن أنها حماتها-شخصا ما في الهاتف، وتخبره عن مدى امتعاضها مما يحدث وبأنها ستعود إلى” تمازيرت” القرية لتبحث لابنها عن عروس “غير مجنونة”، صمتت قليلا قبل أن تخفض صوتها هامسة ” إنها ممسوسة، بها جن لا محالة، أشك أن إحداهن قد سحرت لها ليلة عرسها”، انقطع الإتصال فجأة، فرصيد محمول الحماة قد نفذ، غير أن رصيدها من الشكوى والتأفف ما يزال مشحونا.
ودون أي اعتبار لمشاعر العروس، عدلت لحافها ولثمت بجزء منه وجهها ونادت ولدها حماد ” هيا، سنعيدها إلى أهلها، إنك تضيع نقودك فحسب ..هيا سنرجعها وسأخطب لك فتيحة ابنة الحاجة رقية..هيا”.

تفقدت ساعتي، لقد مر أكثر من ساعة ونصف ولم يشرف الطبيب بعد. أعد عدد المنتظرين، العدد يفوق عشرين حالة، وآخرون ينتظرون أمام باب العيادة، فهنا الهواء ثقيل، لا يكفي الجميع. إن قسمنا مدة عمل الطبيب على عدد المرضى فلن نحصل إلا على بعض دقائق لكل مريض. بضع دقائق لمعالجة مريض نفسي!! .

في عيادة الطبيب النفسي قصص وحكايا كثيرة لن تسعني سطور تدوينة للكتابة عنها، قصص مؤلمة، بئيسة، قصص تحمل بداخلها من المآسى ما لا نستطيع تحمله، غير أن الحديث عن المرض النفسي مايزال طابو في مجتمعاتنا العربية والمغاربية. فالكثير مايزالون يخلطون المفاهيم، فكيف يا ترى يمكن لنا أن نشرح الشعور بالإكتئاب؟

الإكتئاب هو حين تشعر بكل شيئ دفعة واحدة وفجأة تفرغ من أي إحساس، فتصبح أجوفا، فارغا، بل مثقلا بالفراغ. مرض الإكتئاب أعقد من أن يشرح في بعض جمل، أو حتى في كتب، فمهما أسهبت في الكلام والشرح إلا أن الإحساس سيبقى تافها بالنسبة لك إلى أن تصيب به، آنذاك ربما يمكن أن تفهمه!. الإكتئاب سرطان النفس، ينهشها شيئا فشيئا إلى آخر رمق، ليبقى الجسد وحده على قيد الحياة وتكون الروح آنذاك في عداد الموتى. الإكتئاب هو فقدان كلي للشغف، فلا شيئ يفرح ولا شيئ يحزن، كل الأحاسيس سيان.

تؤكد منظمة الأمم المتحدة أنه خلال كل 40 ثانية هناك شخص ما في هذا العالم يموت منتحرا بسبب الإكتئاب، و بعبارة أخرى، يستيقظ كل يوم 2160 شخص على خبر انتحار أبيه أو أمه أو صديقه المفضل بسبب الإكتئاب، خبر ربما سينتج لنا مشروع منتحري الغد وهكذا دواليه.
أ تتخيلون حجم الكارثة؟ إن العالم يدق ناقوس الخطر، نحن أمام عالم مكتئب! لا أود تضخيم الأمر، غير أنه صدقا الوضع يدعو للقلق. فقد بتنا نلاحظ في الآونة الأخيرة حجم إصابة العديد من الشباب والمراهقين بأمراض نفسية وعلى رأسها الإكتئاب، الأمر الذي ينتج عنه جملة من الأمراض العضوية كارتفاع الضغط، السكري، مشاكل الجهاز الهضمي واللائحة ما طويلة.

يعتقد البعض أن المكتئب لا يعي مرضه، فيحرصون دوما على الضغط عليه ليخرج من تلك الحالة، غير أن مريض الإكتئاب واع بمرضه بشكل ممتاز، كما يعي أنه لا يريد المكوث في تلك الحالة، إلا أن لا طاقة له للتغيير. الأمر أشبه بالسقوط في حفرة عميقة مكتف الأيدي ومعصب العينين، فبالرغم من محاولات الآخرين لتوجيهك إلا أنك عاجز كليا عن الحركة.

الإشكال-بحسب نظري- يكمن أولا في الجرأة في الاعتراف بالمرض، فصبغة العار الذي ماتزال تكتسيها هاته الأمراض تجعل من علاجها الشيء المحال. فلا أحد منا في مأمن من الإصابة بالاكتئاب، فلا السن ولا النجاح ولا المستوى الاجتماعي سيقيك من شبح الإكتئاب، إلا أنه وبالتدخل الطبي والمتابعة النفسية ودعم المجتمع يمكن للمريض أن يتجاوز مرضه و يتغلب عليه، أو على الأقل، أن يستطيع التحكم في مشاعره والتعامل مع تقلباته المزاجية.
لكن ربما هنا مربط الفرس، فالبلدان العربية والمغاربية ماتزال تعد المتابعة الطبية النفسية فيها نوعا من الرفاهيات، ولا يستطيع المواطن البسيط الوصول إليها، وحتى لو استطاع بشكل أو بآخر، تبقى مهنية الطبيب وأخلاقياته أمام تساؤل جدلي .

لن نستطيع معالجة المكتئب بين ليلة وضحاها، ولنكن انا على يقين كلي أن كلمات التشجيع الباهتة واللوم والعتاب لن يجدي نفعا. إذ يجب أن نعي جيدا أن المكتئب يحتاج لفترة راحة عميقة عله يسكت كل ذاك الضجيج الذي يكاد يفجر دماغه، كما يحتاج لمتابعة طبية نفسية، وإلا فلربما سينال الجسد مصير تلك الروح. فلا داع لنبخس ذاك الشعور العصيب، وليحتفظ كل بتلك النصائح التي لا تزيد إكتئاب الشخص إلا حدة!

في عيادة الطبيب النفسي

مريم أبروش

صحافية ومدونة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.