تجسست على صفحتها، ويا ليتني ما فعلت

خواطر واقعية

إحساس غريب انتابني ودفعني للتنكر الإلكتروني قصد متابتعها، مشاهدة صورها، وقراءة كتاباتها … الخ..

ظننت من خلال هذا العمل الصبياني الذي اقترفته، أنني قد أشفي غليل صدري فتبرد الجمرة التي سبق أن اكتويت بلهيبها، لكنني ندمت.. لم أندم على فعلي الجبان قدر ما ندمت على ما قرأته في تدويناتها.. فبينما كنت أعاني من تأثير حبها، كانت هي تعيش أزهى أيام حياتها..

وهأنذا الآن قد تجاوزت عمر الثلاثين ببضع سنوات، وفي نظر الكثيرين وبالنسبة للرجال فهذا سن مناسب جدا قصد تكوين أسرة، ومن الأفضل ألا تتجاوزه دون أن تكون قد وقعت على ذلك العقد الذي يبيح النكاح..
تبا، فعنوان العقد يصيبني بالاشمئزاز، كيف لا وهو يلخص كل القيم النبيلة للحب في شهوة عابرة، الغرض منها إشباع الغريزة الحيوانية بدرجة أولى، ثم يليها التكاثر والتوالد..
لكنني ورغم كل الأعراف الشائعة والسائدة في مجتمعنا لازالت أعزبا، وأعترف أنها سبب استمرار عزوبتي..

ذات يوم هناك في إحدى المقاهي الأدبية المتواجدة بجنبات ساحة الفدان بمدينة تطوان، كنت رفقة إحدى الحسناوات، وفي خضم حديثنا تناولنا مجموعة من الأمور، وكان أبرز موضوع تناولناه يناقش الحب والعواطف وما يدور في فلكها، ولفتت انتباهي عندما تفوهت وقالت: حسين، لا تتزوج فقط لأن الناس يفعلون ذلك.. تزوج لأنك تريد ذلك..
عبارة وجدتها عميقة خلقت لدي زوبعة فكرية.. لازلت ولأيامنا هاته أستحضرها وأستشهد بها، عندما تستوجب الضرورة ذلك..
بعدها ولحد الآن، لا أنا اتبعت سياسة القطيع وارتبطت لأن جميع الناس تفعل ذلك، ولا أنا ارتبطت لأنني أريد ذلك.. وتستمر وحدتي..

ولحد كتابة هذه الأسطر فقد مضت بضعة سنوات على زواج سارقة فؤادي، ولازال الشوق يشدني إليها.. ولا يزال قلبي يخفق عند لمح صورتها، صوتها وحتى عند سماع أو قراءة أي خبر يتعلق بها،..
تعلقي بها صعب موجع يكوي القلب..

هي الآن زوجة وأم، وقد أسلمت بذلك وأيقن عقلي أن آخر ورقة راهنت عليها قد احترقت.. فلم لا يحذو قلبي نفس سبيل عقلي ويتخلى عن هذه المشاعر الحارقة التي تجتاحه..
هل يستطيع الحب فعل كل هذا بضحاياه !؟
فعلا إنه لأمر موجع، يجعلني أشفق على نفسي من حالي..
كيف لا وأنا أنسى و أتناسى أن أعيش حياتي بعيدا عنها، وأعيش وأتطفل على حياتها وحياة أسرتها، ولا أزال أتلقف خطواتها وأتطلع لمعرفة آخر أخبارها والاطمئنان عليها.. آملا أن يأتي يوم أتعب فيه، ويسلم ويعترف فيه قلبي بواقع الحال والأمر..
ماذا عساي أفعل.. فعقلي غالبا ما يرضخ لتوجهات قلبي الغبي والساذج ..
ليتها تعرف ذلك وتقبله وتساعدني على التخلص منه.
ليتها تعلم حجم الألم الذي تسببت لي فيه..
وليتها تعلم حجم الحب والاحترام الذي أكنه لها..
حبي لها يكاد يكون غريبا، فأنا ورغم عشقي لها لست أبغي أكثر من مجرد تواصل ثانوي أخوي وبريء معها، ومتابعة أخبارها وجديد حياتها، هذه الأمور ورغم بساطتها بإمكانها إخماد النيران التي تجتاح جوارحي..

أحيانا أتمالك نفسي وأقر أنها ليست لي ولن تكون لي والله قدر ألا نلتقي وأن نعيش مثل الخطين المتوازيين..
وأحايين أخرى أعض النواجذ على سذاجتي وإضاعتي للعديد من الفرص التي سنحت لي في الماضي، والتي من خلالها كانت مبادرة التواصل معها أسهل بكثير من الآن..
لكن ومن سوء حظي أنني حينها كنت منعزلا وخجولا.. وكان النظر إليها يكفيني ويغنيني عن الحديث معها.. كما أن ظروفي لم تكن تساعدني على اتخاد خطوات جريئة قصد التقرب منها..
أما الآن وبعدما حققت أدنى ما كنت أنشده سواء على الصعيد المهني الاجتماعي وكذلك الشخصي، وبعدما بات بإمكاني توفير بعض المتطلبات التي تحتاجها حسناء في مثل وصفها وعمرها، وبعدما طورت فن الخطابة وقبرت الخجل والانعزال، وجدت الأوان قد فات..
فتبا لي ولحظي البئيس..
ولنفترض جدلا أنها كانت من نصيبي وكتب وكانت رفيقة دربي، فهل كنت لأكون سعيدا معها، وهل كانت ستكون سعيدة كذلك معي !؟
من يدري قد يتبخر حبي وعواطفي بمجرد مشاركتهتا السقف والفراش، وحده الله يعلم الغيب، والله لا يحجب عن الإنسان شيئا إلا وعلم أن فيه شرا.. ولو كان العكس صحيحا لاهتز الكون، وطبقت القوانين الميتافيزيقة وقانون الجذب وكل ما يدور في فلكه من أجل أن يتحقق ما ترغبه نفسي..

ومن هذا المنحط الذي قد يطمع في زوجة غيره..
ولو تجرأ وفعل ذلك فهل سيدنو بنفسه ويسقط في المحضور ويحاول مغازلتها !؟
لطالما راودتني هذه الأسئلة..
فهل فعلا سأجرؤ على اقتراف هذا الفعل، وأنا الذي عاهدت نفسي على الابتعاد واحترام خصوصيات الآخرين .. فما الذي حدث لتتغير قناعاتي !؟
لن أنكر أن شيطانا بداخلي وفي بعض الأحيان يهمس لي بحماقات ورغبات أخجل عن ذكرها..
لكن الملاك الذي بداخلي أيضا لا زال ينتصر على هذا الشيطان ويتعوذ بالله منه..
والحمد لله أن الجانب الملائكي لا يزال يقوم بدوره حتى في أحلك الظروف والمناسبات.. ولازلت أشجعه على ذلك وأتمنى له الإستمرار على نفس المنوال رغم صعوبة الظروف وطول المسار..

قصة-حب
صورة تعبيرية

وأكثر مما تم ذكره، فهذه الحسناء التي خطفت قلبي وبالنسبة لي قد رفعت سقف ومعايير الجمال والأنوثة عاليا.. وكذلك فعلت بطموحاتي ورغباتي..
ولو عزمت على الارتباط بأخرى فلن أرضى لنفسي أقل منها جمالا وأنوثة وطيبة.. هذا المراد راجع لسببين، سبب شعوري نفسي غريزي شهواني أشعره بداخلي..
وسبب آخر متعلق بالأنفة وعزة النفس والغيرة التي تصاحب شخصيتي وكينونتي..

ولن أنكر أنني نسجت بعض العلاقات مع حسناوات أنيقات وخلوقات، وقد كن يضمدن جراحي القديمة كل حسب استطاعتها، ورغم ذلك فلم تستطع ولا واحدة منهن أن تنسيني فيها وتشفيني من مرض التفكير بها بشكل جامع مانع.
لا أعلم ما السبب، وليس السبب بالضرورة راجعا لنسب الجمال والأنوثة فكلهن جميلات وخلوقات بشوشات.. وأظن أن سبب استمرار هذه الأحاسيس المتعلقة بها راجع لكوني قد فشلت فشلا ذريعا في التقرب منها، ونظرا لطبيعة شخصيتي الانطوائية والعناد والنفس الطويل الذي يميز جزءا كبيرا من ذاتي، هذه العوامل تساهم بين الحين والآخر في إيقاظ صوت بداخلي يعاقبني ويذكرني بفشلي في التقرب منها عندما كانت الفرص سانحة لذلك..
فهل هو تأثير الحب، أم هو الفراغ العاطفي الذي أتخبط فيه، وهو من يجعل شوق حبها يزورني ويعذبني ويتلاعب بأحاسيسي كل ما توفرت له الظروف لفعل ذلك..

وكما سبق وفعلت وباركت لها زواجها قبل موعده، وذلك عن طريق رسالة كتبتها وأرسلتها لها قبيل زواجها وكان عنوان الرسالة “اعتراف واعتذار، مع سبق الترصد والإصرار”، عن طريق هذه الرسالة عبرت عن كل مشاعري ومعيقاتي التي منعتني من التقرب منها، وكذلك تمنيت لها زواجا مباركا وحياة مطمئنة هنيئة.. ولأنها كانت تعيش أزهى أيام حياتها، فقد أبت أن تجيب وتستجيب لآهاتي، ما جعلني أكتب لها المزيد من الخواطر والقصائد طامحا وطامعا في رد فعل منها مهما بلغت بساطته، لكن ذلك لم يحدث لذلك تنوعت كتاباتي وحملت كلمات تتغير بتغير مزاجي، فبعضها كان يعبر عن صدق حبي، وبعضها كان يعبر عن غضبي وامتعاضي من تجاهلها لرسائلي.. ولن أنكر أن بعضها الآخر حمل عبارات ساخطة .. وتكونت كتاباتي من ثلاث قصائد كانت عناوينها كالتالي : “ذنبي” ، “بنت فلان”، “قبيل الوداع”.
بالإضافة إلى رسالة أخرى مكتوبة بلغة ممزوجة بين اللغة العربية الفصحى والدارجة العامية المغربية، والتي وجدت صعوبة كبيرة في إيجاد عنوان مناسب لها، وكان عنوانها ضمنيا هامشيا يحمل عبارة “بركان بداخلي ينفجر”, أما العنوان الرئيسي فقد كان كالتالي
“دون عنوان، لأننا فكرت حتى تعبت ولم أجد العنوان الذي أريد، فعنونيها كيفما تشائين”.. عنوان لم يكن يرقى لمستوى تطلعاتي إلا أنني كنت عاجزا حينها على اختزال كل ما أشعر به في عبارة مختصرة.

والآن وبعد كل هذا الوقت الذي قد مضى أود من خلال هذه الأسطر أن أبارك لها مولودها الأول ولو جاء الأمر متأخرا ببضع سنوات.. ولن أنكر إعجابي بطفلها البريء الجميل صاحب العينين اللتين تدلان على سيادة جينات أمه الحسناء.. متمنياتي له بالصحة والعافية والهداية، سائلا الله أن يجعله من الذرية الصالحة البارة.

كنت أظن أنني إذا أبعدت نفسي عن محيطها وعن كل ما يذكرني بها، قد أستطيع أن أنساها..
وظننت أن ارتباطي بغيرها قد يساعدني في تخطي حبها ومحو اسمها من لوح قلبي المحفوظ..
وظننت أنه بزواجها وارتباطها قد أكف عن متابعتها وتلقف أثرها..
وظننت أن مرور الوقت وبعد المسافة بيننا قد يمحي ذكراها ولو بمقدار من عقلي الباطن..
كذلك ظننت أن ما كتبته لها ومن أجلها قد يخرج ما بداخلي وأرتاح بعدها..
ظننت، وظننت وكالعادة خابت ظنوني..
فكل ما سبق وظننته قد حدث وتم تطبيقه.. ورغم ذلك لايزال اسمها وحبها يسري في دمي، يعبث بأحاسيسي ويبعثر نبض قلبي.

ولن أنكر أنني كنت أعيش علاقة خيالية معها، لأنني كنت بعيدا كل البعد عن تحقيق هذه العلاقة في الواقع المعاش.. وقد أكون قد شحنت خيالي بالأحاسيس والمشاعر ما أدى إلى تجذرها في كياني، وهذا ما يجعل اقتلاعها أمرا صعبا يقارب المستحيل، ولو نجحت في اقتلاعها فستترك جرحا غائرا سيحتاج لوقت طويل كي يندمل..

ولعل أبرز ما استوقفني وأصابني بالحيرة هو عودة هذه الأحاسيس المصاحبة لذكرى هذه الحسناء، قد أقر بأنها عادت بسبب تجسسي على صفحتها وقرائتي لمستجدات حياتها،..
لكن.. ما هو العامل الأساسي الذي حرك ذكراها بخاطري ودفعني لإعادة البحث عنها وتتبعها..
فهل هي نوبات الوحدة والحزن التي ما فتئت تنتابني، وقد عشتها وتعايشت معها غير ما مرة !!
أم أن الحب مرض مزمن يلازم المصابين به طوال حياتهم !!
أم أن هذه الأحاسيس مثلها مثل الوادي الذي لا ينسى الخنادق المؤدية إلى المصب، وتمضي السنون والقرون حتى يظن الظانون أن الوادي غير مجاريه ولن يعود، فيفاجئهم بسيوله الجارفة التي تحصد كل من تجرأ على الوقوف في طريقها..
لم أعد أعرف كيف أصف كل ما يحدث لي.. وهأنذا أسأل الله العفو لنفسي ولكل من لدغته أفاعي الغرام..

والآن، ولختم هذه الأسطر المتداخلة والمبعثرة التي لا أجد لا الطاقة ولا الصيغة ولا الرغبة في ترتيبها وتنقيحها، أجد نفسي أفكر في الاحتمالات التي قد تتخدها المعنية بموضوع هذه التدوينة، بعد قراءتها لهذه الأسطر.. وقد تأخذ هذه الاحتمالات إحدى الصيغ التالية:

-غضبها وتمردها واحتقارها لمتابعها والمتجسس على خطواتها وسعيها لمعاقبته عن طريق إخبار زوجها والمقربين منها، ونظرا لدماثة أخلاقها، والنضج الذي تتميز به شخصيتها يضل هذا الخيار مستبعدا جدا.

-اكتشافها لأمر وطريقة التجسس، بعدها قد تقوم بحظر وحذف الصفحة المستعملة لغرض متابعة أخبارها والبقاء قريبا من محيطها الإلكتروني.. وهذا أمر وارد جدا وقد يتغير بتغير قناعاتها ونظرتها للمواقف المعبر عنها سلفا.

-ابتسامة خفيفة على شفتيها، وشفقة على الغارق في حبها، تاركة له إمكانية البقاء على صفحتها، وهذا أمر ليس بالمستبعد خصوصا أن أبرز ما يميزها بعيدا عن جمالها هو شخصيتها الطيبة والاجتماعية..

وكيفما جاء ردها، يجب عليها فقط أن تعرف أنني متقبل لأي رد فعل يصدر منها، لكنني لا أعدها بالابتعاد بصفة مطلقة، وسأعمل جاهدا على تقوية أناي الأعلى كي يستطيع بدوره توجيه الأنا لكبح جماح الهو..

ومادمت قادرا على ذلك، فلتنم على جنب الراحة، وإن حدث وتمرد الهو على الأنا والأنا الأعلى، وجاءت القوة الدافعة أشد قوة من القوى المانعة كما شرح وتطرق لذلك العملاق فرويد في المدرسة النفسية التي تفسر الظواهر التي تعيشها وتتخبط فيها النفس البشرية قبل حدوث الفعل ورد الفعل البشري، عندها توقعي حدوث بعض المناوشات التي لن تتجاوز كتابة بضعة أسطر ومحاولات تجسس وترصد أخرى قد تتخذ مناهجا وطرقا مختلفة ومتنوعة.. فالعقل دائما ما يبدع وقت الأزمات.. ومن يدري كيف ستكون خططه حينها، التي سيسعى بها ومن خلالها التنفيس عما يجتاحه من آلام وشوق وحنين.

تجسست على صفحتها، ويا ليتني ما فعلت

الحسين أوطالب

موظف في قطاع الصيد البحري تقني في الصناعة الغذائية طالب جامعي القانون خاص

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.