قاعة الانتظار

عن معاناة العلاج الكيميائي

قبل ولوجها

كالعادة استوقفني الحارس عند المدخل الرئيسي يسأل عن بطاقة الانخراط وعن بطاقة موعد الحصة!! وبعد تحققه من مرغوبه يكرر العبارة نفسها ككل مرة “ستدخل المريضة وحدها دون مرافقها”.
فأضطر أن أشرح له ككل مرة بأن المريضة لا تقوى على السير دون مساعدتي ودون أن تمسك بيدي رغم قلة ما تحتاجه من خطوات وسط حديقة المستشفى قبل أن تصل لقاعة الانتظار.

قاعة الانتظار؟ ذلك العالم الذي يشهد على نحيب القابضين على جمرة الأمل في الشفاء والتمسك بالحياة، ذلك المحيط ذو الجدران الأنيقة والمكيفات العالية الجودة والمقاعد المريحة، تلك البيئة الواسعة الصدر التي تمنح الاحتواء لزوارها وتحتضنهم، تلك الرقعة الصماء التي هش قلبها رغما جمادها والتي اهترأت عواطفها رغم صلابتها. نعم حتى قاعة الانتظار تألمت من هول ما يحس به جالسوها، فهي الشاهد العيان على سقمهم وما تجيش به صدورهم.

بعد ولوجها

ها أنا وسط هذا العالم الحزين أتأمل الألم والأنين الصامت اللذين يهزان المكان، أتدبر في نظرات المرضى المرتوية بسيل من الدموع، أعاين قسمات وجوههم وهي تخفي الجزع وتومئ لمكابدة الألم في صمت، أحدق في تلك العذابات النفسية والجسدية التي تظهر عليهم.

قاعة-الانتظار
قاعة الانتظار

الكل ينتظر في شوق جرعته رغم قساوة ما ينتظرونه فالكل متمسك بدوره وفي استعداده لتحمل لهيب الكيماوي وتبعات العلاج به أملا في القضاء على خبث دائهم.

قساوة المشهد

رأيت الكرب الذي يعج في قاعة الانتظار وانغرست سيوف الأسى في قلبي لتعمق جراحها فتضاعف الألم داخلي لأنني لست ممن ينتظر دوره بل ممن قاد أمه لتأخذ جرعتها، حينها أدركت ما الذي تعنيه كلمة الألم.
لأن الأمر يتعلق بأمي تمكن مني الخوف ومسني الضر وغمرني الغم واشتد جرح سهم الألم الذي أصابني، فأنا المستضعف المنهار الذي يخر باكيا أمام وساوس الأسى التي تخالجني، وأنا القوي المتين الذي يشتد جأشه عندما تتشابك يدي بيد من تتعكزني في المسير.

كل نظرة في عين أمي تدفعني للتحسر على سوء القدر وتجعلني أزيد إيمانا بأن المؤمن مصاب.
دخل الفضل الآن ليتلقى جرعة الكيماوي الأخيرة وسأبقى أنا دائما في قاعة الانتظار.

قاعة الانتظار

عمر السملالي

خريج كلية الحقوق حاصل على الاجازة في القانون الخاص حاصل على الماستر في التقنيات البديلة لحل المنازعات حاصل على الاهلية لممارسة مهنة المحاماة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.