المفاضلة بين الشعريين

الفرق بين الشعر الحر والشعر الموزون

في ما مضى من السنوات الدراسية لطالما، طرح علينا أساتذتنا الأجلاء سؤالا لاستطلاع الرأي، فسئلت ذات مرة على حين غرة عن أي الشعرين أفضل، حرهم أو موزونهم، فأقصرت الجواب ولم أطل وقلت: الموزون المقفى.
ولطالما كنت عاشقا للأدب القديم، وفي هذه الأيام تذكرت ذاك السؤال، وحاولت إعادة الإجابة عليه في رسالة أدبية ذات نكهة قديمة مسجوعة بغية إحياء هذا النوع من الكتابة.

تقديم

كتبت:
الحمدلله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأخرج من شاء من عباده من ظلمات الجهل والبلاهة والغواية والهوى، إلى نور العلم والرزانة والهداية والتقوى. والصلاة والسلام على رسول الإسلام، خير البرية والأنام، سيد العرب والعجم، وإمام مكة والحرم، سائد الكونين، وقائد الثقلين، جد الحسن والحسين، وأبي إبراهيم وزينب والقاسم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. ثم على الصحب والآل، في كل الأيام حتى تبين المآل.
أما بعد فقد تكرمتم علينا بالمسألة والسؤال، وأنتم أحرى بالإجابة والجواب، وأعلم بالرشد والصواب، فإن أجبنا سؤالكم لا نزيدكم علما بل نستزيد، طامعين فحص جوابنا بحكمكم الرشيد.

الشعر الحر والشعر الموزون

فنقول:الشعر عندنا الكلام الأسمى، مهما كان منه المرمى، إضحاكا أو إبكاء، إظهارا أو إضمارا، إغضابا أو إطرابا أتى على ذكره، وبرع في عرضه، وأجاد في فنون الكلام، واتساق المقام ما أخفق مألوفه، وأهمل معروفه.
واعلم أعزك الله، أن العرب سمت القصيدة من القصد، والقصد من العمد، ومعناه أن نظم الكلمات وترتيبها، وتنضيد العبارات وتنظيمها، يكون في الشعر مقصودا، على غير الحال في النثر مردودا. فزعم الزاعمون أن تعسر نظم القريض، يتولد عن الحيرة والغموض، فكلمات اللغة وعباراتها ذات الأطراف المترامية، تضعك في احتمالات غير متناهية، وتجبرك على انتخاب أرقاها، وانتخال أزكاها، لخدمة ماتعني قوله، وماتريد ذكره. وعلى هذا الأساس، أوجد المعاصرون الشعر الحر، وأعلنوا عن التطرف، متحججين بالتكلف، وتملصوا من الوزن والبنية، وتخلصوا من الروي والقافية، وجردوه من الموسيقية، وفصلوا عنه الغنائية. فحذفها عندهم يصفي ذهن القارئ ويطمئنه، وإبقاؤها يعكره ويكدره، وهو الشيء الذي يسبب شرودا، يجعل من المعنى مفقودا إذا شغل النغم الناس عن المعنى، فطربوا ولم يستبصروا، وسمعوا ولم يعوا.
وأما التحجج بالتكلف، فهو من الضعف والتخلف، فالعرب وقت قوة الشعر وبأسه، نبذت فيه التكلف والتصنع، ورفعت همة الطبع والسجية في نظم البيت حشوا وقافية، وهذا مع حضور الوزن والغنائية. وقد جعلت منها المعيار، وتحرير القصيدة منه أدى بها إلى الإنهيار. فقولهم بتحرير القصيدة من الوزن حتى تساير، كقولنا بنزع المقود عن السيارة حتى تسير. وهذا التحرير الغر، والفعل الجائر نحى منحى المثل السائر القائل: “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”. فبعد اتهامهم الشعر الموزون بالتخلف والتوان، سقط شعرهم في ظلمات التكلف والهوان. فسموا متكلفا من النثر شعرا، تفكك معانيه وليد الصنعة، فاستوردوا الجديد من الصورة، ولقبوها بالأسطورة، فكانت مدعاة للكلفة ومجلبة للصنعة.
ومن القصيدة الرفيعة، التي اتهمت بالوضعية ماكان منثورا محافظا على النظم، لكنها بعيدة عن التكليف، رصينة التأليف، متراصة الكلمات، منظمة السمات، انضم بعضها إلى بعض فانتظمت. وفي هذا نستشهد بقصيدة ابن ابي ربيعة عمر، التي غزاها النثر:
أ من آل نعم أنت غاد ومبكر غداة غد أم رائح فمهجر
فهذه القصيدة المتكلفة في عرفهم، اكثر تلقائية من كلامهم المنثور. فشعر عمر المنظوم، تتذوق فيه طعم الطبع والسجية، رغم حفاظه على الوزن والقافية، وعليه يصنف ضمن القصائد العالية. وإن دل هذا على شيء، فيدل على أن تلك القيود ليست في عمقها قيودا، فهي لا تعمل على تكبيل الشاعر بقدر ما تعمل على تنويره، وإراحته من التردد والحيرة، فتضعه في دارة مغلقة منيرة، لا يتحير فيها بل يتخير من احتمالات القول الباقية، ما يناسب الوزن والقافية.
وأما الموسيقى في شعرهم فركن مفقود، وفصلها عن المعنى فعل مرفوض مردود. فبنغمة القافية، تتشكل ثلة من المدلولات المعجمية الوطيدة، فالنغمة على هذا الحال هي جسم القصيدة. والقصيدة تؤدي معناها وغرضها بألفاظها وموسيقاها. ولا تكون القصيدة عربية إذا استغنت عن هذا الركن المفقود، فهو لا يمتاز عن الأركان الأخرى بل يمتزج بها.
وعلى هذا الأساس نقول أن أجود الشعر ما كان موزونا مقفى، من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه.

المفاضلة بين الشعريين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.