المشهد المنتظر

عمل بدون شغق

الواحدة بعد الظهر مازال يتقلب في فراشه، يقاوم رغبته في النوم. يتساءل.. هل يستحق الأمر أن ينهض؟ لكنه تأخر كالعادة ليخوض في الاحتمالات.

الجو بارد،يستعين بمعطفه الرث وبذاكرته التي لا تزال تتشبث بتلك الأيام القليلة لردعه, أيام يقيس عليها معنى السعادة, صوت امه، رائحة الكعك الطازج، صرخات اخواته، صوت المطر، حكايات جدته، كان للعالم دفء خاص، كان العالم مغطى بقماش أم. تقاطع حركة المرور حبل أفكاره, تسبقه عجلات الحافلة التي كان سيستقل, استغرب من هدوئه تم استغرب من استغرابه، لم تنتظره الحياة يوما ليستوعب ما يحدث ما الذي تغير الآن. بخطوات متسارعة تخالف مظهره اللامبالي حاول ان يبرر تأخره، لاحظ أن استعجاله أوقع طفلا صغيرا في طريقه لاحظ أيضا أن الطفل أوقع مثلجاته استفزته نكهة الشوكولاتة والبرتقال. من قد يحب هذا الخليط المزعج.

بعد ثاني منعطف على طول الشارع، حاول أن يتجاهل وميض لافتة المطعم الذي يعمل فيه. وكأنها هي الأخرى تعاتبه، كانت قد مرت ثلاثة أشهر على اشتغاله، عمل هنا كنادل بفضل صديق له، مقابل ساعة والده الذهبية استطاع هذا الصديق أن يقنع صاحب المحل بتشغيله الذي بدوره غض النظر عن مظهره الذي حسب قوله ينفر الزبائن وكان لهذا مقابلا أيضا، تخطى المدخل الخلفي نحو المطبخ، كان يكره ذلك الجزء من شخصيته الذي يحثه على الابتسام في وجه الزبائن ورغم ذلك تجاهله. بدأ عمله بتسجيل وتقديم الطلبات، لفت انتباهه رجل في الثلاثين من عمره كان قد ارتاد المكان مرارا، ببدلته المنمقة، قمصان مزركشة، حذاء ملمع، هذه المرة كان وقع اختياره على ربطة عنق خضراء، ساهمت في جعل مظهره مثيرا للسخرية، برفقة فتاة ذات العشرين ربيعا على الأكثر. كانت تعتمد ابتسامة مزيفة لم تبذل أي جهد في تعديلها

سجل طلبات الزبون رفيع الذوق، وفكر، كم كلفه الأمر ليبدو بهذه الصورة الكرتونية؟ أحضر الطلب، وضع الأطباق على الطاولة وسكب العصير على الزبون، كان موقفا يستحق الابتسام، لكنه قاوم حرك شفتاه لاحظ رائحة فمه الكريهة، أعتذر سيدي. صاح الأخير مستعملا لغته المنمقة كلمات في غاية التعقيد، خطابات عن الحقوق والواجبات، مهددا أنه لن يرتاد المكان مجددا. ستغادرنا قطعة أثرية مميزة لن يعوضه أصحاب القمصان المرقطة والازرار المفتوحة عند الصدر، تكلمت الفتاة أخيرا اهدأ يا حبيبي. انسحب من الشجار الفردي وهو راض عن ادائه، لكنه لم يسحب تهديداته.

ابحار في الذاكرة

انتهى الدوام، سلك الطريق الأطول متسائلا إلى أين ستأخذه قدماه، في طريقه كانت هناك دراجة جاره النارية، حمراء اللون، لا شك أنه متعلق بها كثيرا، اقترب منها، تأملها، استعمل مفتاح خزانته ليوقع عليها ومضى في طريقه.

قبالة مبنى قديم، ترك الزمن آثاره جليا على جدرانه، كما حال سكانه، قبالة دار العجزة، مقهى صغير في الزاوية، اتخذ مكانه المعتاد وحيدا من غير اي انيس، كان مشحون بذكرياته وتفاصيل يومه الذي غفل عنها، تجاربه و تساؤلاته التي تشكل زاده في الطريق و رفيقه اذا عز الرفيق.

ذكره الصمت ببكاء طفل المثلجات، تذكر صرخته الصامتة يوم فارق حضن أسرته، لماذا لم يبكي على ما سيفوته على حضن جدته، على غرفة المعيشة، على كعكة الشوكولاتة. أتراها لأن الحياة باغتته، لم يستوعب ما حدث هل استوعب الآن؟ هل كانت تقل الأضرار لو استوعب آنذاك، ارتشف القليل من القهوة تذكر نظرة الفتاة، تذكر ما قالته بعينيها، لم تكن شيفرة لقد كان الأمر جليا، لقد استحق ذلك المواطن احترامها، كان صراخه ومنطقه ذو منفعة، على الاقل سيعيد تحليل مبرراته في الجلسات القادمة. أليس كذلك؟

نظر واذا بالمشهد المنتظر على وشك أن يبدأ، عدل جلسته، شاب متوسط الطول، يمكن اختزاله في بطن بارزة، شعر أشقر ونظارات شمسية، لقد كان جاره، يحمل أوراقا و ينتظر دوره أمام مقر الشرطة ليقدم شكايته. لقد بدا حانقا لابد أن الأمر استعصى عليه، لا سيما أن الأمر يتعلق بدراجة أحلامه. أعلى المشهد في المبنى القديم نافذة زجاجية صغيرة تعكس صورة عجوز كسا الشيب رأسها لكن الزمن لم يتمكن من جمال ملامحها، تساءل كيف كانت تبدو في شبابها؟ تنظر لصاحب الدراجة وتبتسم، لقد كبر كثيرا منذ آخر مرة رأته لكنه لا زال يغضب بنفس الطريقة يتمتم في نفسه يحرك يداه ويتحرك بسرعة. حزنت لغضبه لكنها ابتسمت لكونه بخير.

المشهد المنتظر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.