وجهة نظر

في التنمر

نظرة على الواقع

هكذا نحن لا نعرف من أعطانا الحق أو من أوكل لنا مهمة توزيع الأحكام، عرض دون طلب، لكن يعز فينا أن يمر موضوع دون أن يكون لنا فيه رأي خاص, لا يهم علاقة الموضوع بمجال معرفتنا أو ثقافتنا بل ولا يهم اطلاعاتنا على مواضيع مشابهة; لكن هناك دائما آراء جاهزة تتنتظر مواضيع لتطرح فيها من غير حول ولا قوة.

هذا الكائن يرى في نفسه صاحب الرأي السديد غير القابل للنقاش، يفرضه بأسلوبه المستفز على الآخر، ولمن عارض أن يتحمل العواقب. غالبا ما ترسم حدود للمتطفلين في الواقع؛ كل تلك النظرات والتعابير الجسدية، نبرة الصوت، حواجز في وجه كل كلمة في غير محلها وضعت فيحدث أن تقابل كلماتهم السامة بألم جسدي لا يمحى بضغطة زر، إلا أن المعضلة تكمن فيما وفرت المواقع الوهمية من حصون لهؤلاء، أن تحمي شخصهم وتفجر طاقتهم السلبية، هناك رواد لهذه المواقع ممن كلفوا أنفسهم ب”نشر السلم ومحاربة الفساد” يتكئون على مقاعد سياراتهم الفخمة أو أرائكهم الرثة، يعرفون نفسهم بصورة النجم محبوب الجماهير يتفننون في طرح حجج جاهزة لآرائهم المعلبة….

آثار وخيمة

حرب لا تنتهي بانتهاء الحجج، إذ ما يلبث أن يصبح الموضوع شخصيا لدرجة المساس بالكرامة الشخصية تحت شعار من عارضني لا يستحق أن يحفظ ماء وجهه، فتبذل المجهودات في السب والشتم والتعييب بدءا من الشكل والجسد والانتماء والميزات والتصرفات الشخصية، وقد يصل الأمر للتشهير بذويهم ممن لا يقربون الموضوع شيئا، لأقول: أصحاب هاته التعاليق لا نعرفهم فهم لا يعرضون شخصهم للخطر ينتحلون شخصيات وهمية في عالم افتراضي ليدمروا حياة شخص ما، سواء كان الحق معهم أم لا.

التنمر
صورة تعبيرية

هذا الكم من الأذى النفسي ربما يشعرهم برضى عن نفسهم وعن قدرتهم لتحقيق العدل، يطفئون أجهزتهم الذكية وضميرهم يندد بإنجازهم لتغيير البشرية وحمايتها من الأوغاد، لا يمكن اختزالهم في فئة معينة فهناك أطفال أٌعطو الوسيلة ليجعلو من حياة رجل صاحب مسيرة زاخرة سياسية أو علمية أو فنية مصدر سخرية، لسبب كيفما كان لن يكون مقنعا. قد يكون الأطفال أيضا ضحية بسبب انتمائهم لعائلة معينة أو لحملهم اسما معينا؛ قد تكون امرأة لمجرد أنها امرأة، قد يكون شخصا لمجرد نزاعات شخصية مع أحد الرواد.

كيف السبيل للخلاص؟

لابأس أن نكون عاديين، لا بأس أن لا يكون لنا رأي في كل موضوع حديث الساعة، البأس كل البأس في أن تكون من “المثاليين” مترصدي الأخطاء، أن تكون من الطفيليات، من ضعاف الحيلة ومحدودي الثقافة لدرجة تصل بك في النهاية لتموييه ضعفك بتنمرك على الغير.

إن سيطرة هذه التظاهرات في شبكة يمكن للملايين الولوج إليها يراكم خوفا في صفوف الكثيرين لا سيما أن الأغلبية تحبذ مشاركة هذه الكلمات تحت عنوان “فن الرد” أو في سبيل الترفيه عن النفس، كنتيجة نصبح أمام تراكمات النسخ من ذوات الآراء المعلبة ومحدودية من يتجرأ على استخدام عقله، الشيء الذي يضعنا أمام معضلة عقم المجتمع من حيث التجديد والإبداع.

للنقاش أصوله، وهاته الأصول يجب أن تستبعد العقول الصغيرة ممن لا تستحمل من يخالفها في وجهة النظر.

وجهة نظر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.