العائلة في السياق السوسيولوجي

انطلاقاً من دراسة أنتوني غيدنز

ما هي العائلة؟

تعتبر العائلة المؤسس الأول للمجتمعات الإنسانية، وهي أول وحدة اجتماعية عرفتها البشرية، ومن هذا المنطلق جاء الاهتمام الكبير بالعائلة تنظيماً وتنظيراً ودراسة وبحثاً، فأصبحت العائلة جزءاً لا يتجزأ من مختلف أبعاد المجتمع النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، كما أنه يتم تنظيمها بواسطة ترسانة من القوانين والتشريعات المختلفة المتناسبة مع كل مجتمع وطبيعته، وهذا التنظيم لا يقتصر فقط على الشأن المحلي، بل يتجاوزه لتحقيق التنظيم لكافة الأسر في مختلف أنحاء العالم، وهذا ما أبانت عليه العديد من التشريعات والاتفاقيات الدولية والتي جعلت من العائلة محوراً أساسي لتأطير وتنظيم المجتمع، وسعت بشكل أساسي لتحقيق التوازن الأسري من خلال الحقوق والواجبات بين مختلف الأفراد.

فالعائلة ذات طابع دينامي فهي تتأثر بالمجتمع وتؤثر فيه، كما أن الاهتمام بالعائلة لم يقتصر على هذا النحو بل شمل الربط بينها وبين مختلف الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية.
كما تشكل العائلة حقلاً خصباً لمختلف الدراسات، ويختلف تحديد ماهية العائلة كمفهوم باختلاف السياقات النظرية الدارسة لها، ولقد اهتمت العديد من الدراسات برصد وتتبع أشكال تطور وتأثير وتأثر مؤسسة العائلة بالمجتمع، بما فيها الدراسات السوسيولوجية، بل إن العائلة شكلت جزءاً فرعياً من ميادين هذه الأخيرة، فأصبحنا نتحدث عن سوسيولوجيا العائلة بوصفها فرعاً من فروع السوسيولوجيا العامة والتي تهتم بدراسة الأسرة بوصفها مؤسسة و واقعة اجتماعية.
و تتمظهرت الارهاصات الأولى لدراسة سوسيولوجيا العائلة في الجانب الغربي، وذلك واضح بشكل جلي في دراسات العديد من السوسيولوجين الغربيين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر دراسة دوركايم والمعنونة بـ la sociologie de la famille.

كما أن أهمية دراسة العائلة تكمن في كونها تشكل مؤسسة ونسق اجتماعي لتأسيس قيم التنشئة الاجتماعية، حيث أنها تعرضت لمجموعة من التغيرات على مستوى الحجم والتكوين وطبيعة العلاقات القائمة بين مكوناتها، فلطالما كانت العائلة حاضرة منذ القدم، في المجتمعات البدائية، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن الإنسان في حاجة إلى وجود الآخر المكمل له، بمعنى أن الإنسان مدني بطبعه كما عبرت عن ذلك العبارة الخلدونية، وتبتدئ سيرورة تشكل هذا الكيان برابطة الزواج، ثم تتطور بوجود الأبناء.

العائلة في علم الاجتماع

ويعد عالم الاجتماع الأمريكي أنتوني غيدنز من بين علماء الاجتماع الذين اهتموا بدراسة العائلة دراسة سوسيولوجية بالاستناد على مجموعة من النظريات مع إعطاء هذه الدراسات بعداً واقعياً، ولقد صاغ هذه الدراسة في كتابه “ علم الاجتماع” والذي من خلاله قام الباحث بخلق رابط بين كل من الاجتماع والمجتمع، على اعتبار أن هذا الأخير دينامي ويشهد سيرورة من التحولات والتي تستدعي بالضرورة تبني مجموعة من النظريات التي تهتم بتحليل وتفكيك أبعاد الظواهر الاجتماعية المختلفة، ويعتمد الكتاب على عرض ترسانة من قضايا اجتماعية المعاصرة المتنوعة سواء في سياقها الماكروسوسيولوجي أو الميكرو سوسيولوجي بالاعتماد على المنهج النقدي، واختتم الكاتب كل فصول من فصول دراسته بمجوعة من الأسئلة الإشكالية وفي هذا إثبات على أن السوسيولوجيا قائمة على التساؤل وزعزعة الثوابت وتجاوز كل أشكال الأحكام المسبقة نحو موضوعية علمية، كما أن هذا الكتاب يٌعد بمثابة مرجع أساسي لكل من أراد تحقيق الفهم الشامل لعلم الاجتماع وميادينه، ولقد أدرجت جمعية علم الاجتماع هذا الكتاب ضمن الكتب المائة الأولى في علم الاجتماع.

ففي صياغة أنتوني غيدنز لكتابه هذا كان متأثراً بأفكار كل من إميل دوركايم، وماكس فيبر وتالكوت بارسونز بالإضافة إلى كلود ليفي ستراوس ونوربرت إلياس وسيجموند فرويد، ويشمل هذا الكتاب إحدى وعشرين فصلاً، و تم تخصيص الفصل السابع منه بالعائلة، حيث تم دراسة العائلة من خلال بلورة مجموعة من الإشكاليات والتي تتمحور حول تغير أشكال الأسر وتكوينها، تعدد الزوجات في علاقته مع مايطرحه وما يطلبه المجتمع الحديث، بالإضافة إلى تغير أدوار المرأة، وظهور العديد من الظواهر في المؤسسة الأسرية كالطلاق والعنف.
وفي الانطلاقة الأولى لهذه الدراسة مهد عالم الاجتماع أنتوني غيدنز لمجموعة من المفاهيم الأساسية، وفي هذا دلالة على أهمية حضور الإطار المفاهيمي في أي دراسة علمية، بوصفه الإطار الأساسي المؤطر للدراسة، ومن المفاهيم التي تم بناؤها:

العائلة: والتي تم وصفها على أنها الأساس الذي يقوم عليه المجتمع البشري، والشاملة لمجموعة من الأفراد الذين تجمع بينهم صلة القرابة، فإنه في إطار هذه العلاقات المتبادلة بين أفراد العائلة يتولى الأشخاص الكبار رعاية الصغار وتحقيق التنشئة الاجتماعية للأبناء عن طريق تعليمهم مجموعة من المعايير والقيم وإعدادهم لمواجهة الحياة الاجتماعية.
علاقات القرابة: ويشير إليها أنتوني غيدنز على أنها تشمل تلك العلاقات التي تكون نتيجة الزواج، أو العلاقات القائمة برابطة الدم والنسل.
الزواج: وهو اتحاد جنسي جرى الاتفاق عليه وإقراره اجتماعياً بين رجل و امرأة بالغين.

كما أن هيكلة العائلة تنقسم على قسمان بحسب علماء الانثروبولوجيا فهناك العائلة الممتدة والتي تشمل الأم والأب والأبناء والأمهات والأجداد والأشقاء والشقيقات والأعمام والأخوال، بمعنى أنها تشمل عدة أجيال، كما أنها كانت تشكل تعبيراً عن العشائر والقبائل، وهناك صنف آخر وهو العائلة النووية وهي التي تشمل الزوجان اللذان يعيشان معاً و الأبناء فقط.
ولقد اهتم الباحث بدراسة العائلة من خلال التنظير العلمي لها بواسطة عدة مقاربات منها:

أولاً: المقاربة الوظيفية

تنطلق المقاربة الوظيفية من فكرة مفادها أن المجتمع مكون من مجموعة من المؤسسات الاجتماعية التي تؤدي مجموعة من الوظائف الضامنة لاستمرارية الوضع الاجتماعي، وعليه فإن العائلة هنا هي نسق اجتماعي جزئي ضمن النسق الكلي وهو المجتمع ويقوم أفرادها بمجموعة من الأدوار والوظائف والتي من شأنها أن تحقق ديمومة واستمرارية النسق الكلي، وعليه فإن تحول المجتمعات من مجتمعات زراعية إلى مجتمعات صناعية ساهم بشكل كبير في التأثير على الأسرة وأدى إلى تحول أدوارها، حيث أنها كانت تشكل وحدة أساسية للتصنيع والإنتاج، وأصبحت بعد ذلك تركز على الجانب التربوي ورعاية الأبناء وتنشئتهم اجتماعياً، بمعنى أن دور الأب أصبح دوراً أداتي قائم على كسب الرزق، بينما دور الأب يتمثل في التربية والعاطفة والحنان.
وفي هذا السياق يرى تالكوت بارسونز وهو أحد رواد النظرية الوظيفية أن وظائف الأسرة تتمثل في: التنشئة الاجتماعية الأولية وتحقيق الاستقرار الشخصي، و يتحقق ذلك ابتداء من السنوات الأولى في عمر الطفل، ومن خلال تحقيق التربية العاطفية للطفل وتكوين شخصيته خاصة في ظل المجتمع الذي يشهد نوعاً كبيراً من الدينامية، وعليه يرى تالكوت بارسونز أن العائلة النووية هي المؤسسة الأنجع لمواجهة كل ما يطلبه المجتمع بخلاف العائلة الممتدة.

ثانياً: المقاربات النسوية

اهتمت العديد من التيارات النسوية بدراسة العائلة، لتسليط الضوء على مجموعة من الإكراهات التي تواجهها المرأة في بيتها، خاصة ربات البيوت، ومن أهم النسويات اللاتي اهتممن بهذا الأمر الأمريكية بيتي فريدان والتي لطالما سلطت الضوء على المرأة الأمريكية ففي أحد الدراسات لها والمعنونة بـ”اللغز الأنثوي” ركزت على المرأة في الطبقة المتوسطة حيث أنها كانت ترى أن أغلب النساء الأمريكيات كن يحققن هويتهن من خلال الزواج والتربية، كما أنها كانت ترفض كل أشكال بقاء المرأة في المنزل وكانت تسمي تلك النساء بالزوجات الأسيرات، لما يعانين منه من العزلة والملل.
ولقد تطور النقاش النسوي وظهرت العديد من التيارات النسوية التي تهتم بشكل أساسي بهذا البعد خلال سنوات السبعين و الثمانيات، فأصبحت جل الدراسات التي تخرج من هذا القالب تتمحور حول ثلاثية: تقسيم العمل البيتي، بالإضافة إلى التوزيع المتفاوت للقوة والسلطة، وأيضاً الرعاية في الأسرة، وفي هذا السياق اهتم الاتجاه النسوي بالسعي لتحقيق العائلة المتوازنة، وهي العائلة القائمة على تحقيق المقاربة التشاركية على مستوى الأدوار و توزيعها.
ومن هذا المنطلق لم يقتصر عالم الاجتماع انتوتني غيدنز في دراسته للعائلة على المقاربتين السالف ذكرهما بل تطرق أيضاً لمجموعة من المنظورات الجديدة للأسرة في علم الاجتماع، حيث أن هذه المنظورات تركز بشكل أساسي على أشكال وصور العلاقات داخل الأسرة بالإضافة إلى أشكال العلاقات بين الزوجين وبناء هذه العلاقات والتي كانت منذ القدم قائمة على عمل الرجل خارج المنزل وعمل المرأة بالبيت، إلا أنه مع خروج المرأة لسوق الشغل واتساع مكانتها وحضورها داخل المجتمع أصبحت هذه العلاقة تتجاوز الإطار الضيق المقتصر على الحب والبيت والأبناء والرعاية، وأصبحت تعتمد على أبعاد أكثر شمولية منها المساواة والعمل والاقتصاد.

وفي ظل هذه التحولات التي شهدها الكيان الأسري أخذت العديد من الظواهر بالتزايد والانتشار، منها الطلاق والذي شهد انتشاراً كبيراً نتيجة التغير الذي عرفه المجتمع، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن حصول الاكتفاء الشخصي لكل من الزوجين من العوامل التي أسهمت بشكل مباشر في تزايد حدة هذه الظاهرة، هذا من جهة ومن جهة أخرى ذهبت الاتجاهات النسوية للنظر إلى الطلاق بوصفه نتيجة لغياب المساواة و حضور القمع والهيمنة البطريركية، وعلى الرغم من حضور العديد من التشريعات القانونية التي وضعت ترسانة من الضوابط الصارمة للوصول إلى الطلاق، إلا أن هذه الظاهرة ظلت ثابتة ومستمرة.

كما أن التعدد من الظواهر التي أخذت بالتوسع والانتشار لا سيما في المجتمعات العربية، على خلاف المجتمعات الغربية التي تنتشر فيها مسألة التعدد بصفة استثنائية، وفي دراسة يقدمها أنتوني غيدنز يؤكد على أن الأشخاص الذين تجاوزوا سن الخامسة والثلاثين هم أكثر الفئات إقبالا على تعدد الزيجات، وعليه فإنه من أبرز العوامل التي تنتجها هذه الظاهرة هو نشوء العائلات التوليفية.

كما أن هناك العديد من العوامل الأخرى التي أثرت على الأسرة منها ظهور بدائل للزواج كالمعاشرة بين الزوجين بدون أي توثيق، وهذا الأمر ينتج عنه العديد من الأمراض الجنسية، كما أن هذه العلاقات من أبرز الإشكاليات التي تعرض في الجانب القانوني، و أيضاً ظهور العنف البيتي والذي قد يترجم إلى عدة أشكال منها العنف الجسدي و الذي يمارس على الزوجة والأبناء خاصة الذين تقل اعمارهم عن ست سنوات، وتزايدات اهتمامات العديد من التيارات و الاتجاهات المعرفية المختلفة برصد و تتبع ظاهرة العنف البيتي، ومن ضمن هذه الاتجاهات الاتجاه النسوي والذي يرى أن العنف البيتي يمارس على المرأة أكثر من كونه يمارس على الرجل؛ وتم تعليل ذلك بطبيعة البعد السلطوي الذي يتخذه الرجل داخل المنزل.

إذن في ظل التحول الذي عرفته المجتمعات شهدت الأسرة أيضاً مجموعة من التحولات على مستوى البنية والتركيب وطبيعة العلاقات والوظائف والأدوار، كما أن القيم الأسرية قد تأثرت بدرجة كبيرة بكل هذه التحولات، حيث أن القيم السائدة في الأسر التقليدية تعبر عن حضور التضامن والشعور الجمعي المتماسك بين أفراد الأسرة، على خلاف أشكال الأسر الحديثة التي أخذت قالباً جديداً يميل إلى التخصص، ومن هنا جاءت أراء العديد من الباحثين والذي يطالبون بالعودة إلى القيم التقليدية، في مقابل آخرين الذين يرون أنه من غير الممكن العودة إلى أشكال القيم التقليدية؛ نظراً لكون الأشكال الجديدة للمجتمع أبرزت أشكال أسرية جديدة لا يمكن العودة بها إلى ما هو تقليدي.

العائلة في السياق السوسيولوجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.