جدل الإفطار العلني في رمضان

الفصل 222 في دائرة الاتهام

واقع مجتمعنا

يقول ميشيل فوكو في كتابه “نظام الخطاب” أننا نعرف جيدا أنه ليس لدينا الحق في أن نقول كل شيء، وأننا لا يمكن أن نتحدث عن كل شيء في كل ظرف، ونعرف أخيرا ألا أحد يمكنه أن يتحدث عن أي شيء كان، كما تحدث أيضا ميشيل فوكو عن المناطق التي أحكم حولها السياج حسب تعبيره، وتضاعفت فيها الخانات السوداء، ويتعلق الأمر بالجنس والسياسة.
لكن وباعتبار أن مجتمع ميشيل فوكو قد تحرر من الدين منذ زمن بعيد، وأحدث معه تلك القطيعة التي كسرت السياج الذي كان حوله، فإن مجتمعاتنا العربية ما تزال تحتكم للدين وذلك بدرجات متفاوتة.

فبالإضافة للجنس والسياسة، يوجد الدين أيضا -في مجتمعنا- لذك فالخوض في الدين يعد مخاطرة كبيرة، فإذا لم يسبب لك مشاكل مع السلطة، قد يجر عليك هجوما من الجماهير التي تحركها العاطفة الدينية بشكل لا يصدق.
هذا فقط في ما يخص الخوض في أمور دينية، أما إذا حدث وتجاوزت بعض الشعائر ويتعلق الأمر”بالصوم”، فهذه كارثة.

نص القانون الجنائي المغربي

يعتبر صوم رمضان من أركان الاسلام، شأنه شأن الصلاة والزكاة، لذلك فعدم الصوم بدون مبرر شرعي -الإفطار- هو بلا شك تمرد واضح على الدين.
وإذا حدث وأن تمرد شخص على هذا الركن، ماذا يحدث؟

جاء في الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي:
“كل من عرف باعتناقه الدين الاسلامي، وتجاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من إثني عشر إلى مائة وعشرين درهما”
إذن الجهر بالإفطار بدون عذر شرعي عقوبته في القانون المغربي الحبس والغرامة المالية، ويتعلق الأمر بمن عرف عنهم اعتناق الاسلام، وبما أن دين الدولة هو الإسلام فمن المرجح أن الشعب المغربي غالبيته مسلم، لكن السؤال: هل كل الشعب المغربي يعتنق الاسلام؟
طبعا لا، هناك مغاربة كثر تخلوا عن هذه العقيدة، إذن حسب القانون فمن حقهم الإفطار، لكن المشكل كيف سيثبت هذا الشخص أنه ليس بمسلم؟

الفصل-222
إحدى الوقفات الاحتجاجية ضد الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي

وحتى إذا كان الشخص مسلما بالفعل لكنه لم يرغب بالصيام، كيف أمكن للسلطة أن تتدخل بأمور كهذه؟ يقول جون لوك في كتابه رسالة في التسامح: “إن خلاص النفوس ليس من شأن الحاكم أو أي انسان آخر، ذلك أن الحاكم ليس مفوضا من الله لخلاص نفوس البشر، وأن الله لم يكلف أي انسان بذلك، لأنه لا يبدو أن الله قد منح مثل هذه السلطة بحيث يفرض دينه على اللآخرين بالقوة”.

أن يفرض القانون ممارسة شعائر دينية لا يمكن أن يجعل الإنسان يؤمن، فالدين هو قناعة قبل كل شيء، فالسبب الوحيد الذي يجعل شخصا يمارس شعائر دينية، مثلا أن يصلي أو يصوم، هو نابع من إيمانه بالجزاء وأنه بذلك يتقرب من الله، وإجباره على ممارسة تلك الشعائر، معناه القيام بها بدون إيمان وبالتالي بدون أجر، وتلك إساءة لله قبل أن تكون للإنسان.

تضاد في القانون نفسه

فالقانون نفسه ينص في الفصل 220 “من استعمل العنف أو التهديد لإكراه شخص أو أكثر على مباشرة عبادة ما أو حضورها، أو لمنعهم من ذلك، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم”.
هذا الفصل يناقض الفصل السابق، فإذا كان المشرع يوجه الخطاب هنا لعوام الناس، فالأمر أيضا ينطبق على السلطة، باعتبار أن العبادات هي أمور روحية، فالحبس بسبب الإفطار معناه أنك تكره شخصا على مباشرة عبادة، هو لم يشأ ممارستها حسب قناعته، ومهما كانت أسبابه، بل هو غير ملزم أن يبرر سبب عدم قيامه بذلك، الوحيد الذي يستحق التبرير ومن حقه الحكم هومن أنزل تلك الشعائر، هو الله سبحانه في علاه. فالمشرع قد انتصر للحرية في الفصل 220، لكن هذا المشرع نفسه عاد في الفصل 222 لينسف بها بسبب الإفطار.

هذا النص القانوني (الفصل 222 المجرم للإفطار العلني) يجب حذفه، ضمانا للحرية وحقوق الأفراد والمساواة، فحتى إذا كان الاسلام دين الدولة فهو ليس دين كل الشعب، وعلى الوطن أن يتسع لجميع مواطنيه على اختلاف عقائدهم وتوجهاتهم، ضمانا لأهم مبدأ في المجتمع هو الحرية.

جدل الإفطار العلني في رمضان

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.