من أجل دين عقلاني

أساس الحرية والمواطنة

واقع صعب

إن ما نعيشه اليوم من نكوص على مستوى الفعل الديني -التدين- الذي أصبح معرقلا للنهوض بنا كمجتمعات تعاني من التخلف والهزيمة والانفعال، توضح أن الفرد في المجتمع صار ارتكاسيا ينزع أكثر إلى الحفاظ على الأوضاع المتخلفة والفقيرة في مجتمعنا بدلا من التحرر منها، والاتجاه نحو إنتاج سلوك ديني ينسجم مع المواطنة في المجتمع، وهذا الأمر لن يتأتى إلا من خلال إبراز الجانب العقلاني والأخلاقي للدين، وبالتالي التخلي عن كل التصورات والأفعال غير العقلانية الموجودة فيه. وهذا العمل يتطلب جهدا كبيرا عبر مسيرة شاقة من الكفاح ضد كل أشكال الظلامية والرجعية في المجتمع التي عطبت التمثلات الجماعية للأفراد، خصوصا ضد من يدعون برجال الدين، الذين يلعبون بوتر العاطفة لكي يجيشوا الناس ضد كل أشكال التنوير والحرية وبالتالي يعملون على تدمير الإنسان.

الدين والعقل

إذا انطلقنا من الفكرة الاعتزالية القائلة بالقبح والحسن العقليين، إذ أن الحرام هو حرام بالمنطق و العقل و الحلال كذلك، سيتبين لنا أن الـتأويلات والتفسيرات التي يضعها بعض رجال الدين في تحريم الفعل أو تحليله، هي تأويلات قد تكون مبتورة من موضعها وسياقها، وتختلف مع الغرض والمقصد الأساسي للدين، بل ويلجؤون في وضعيات كثيرة للعب بالألفاظ والكلمات، وإعطائها معانيَ ليست معانيها، وذلك من أجل قضاء مصالح شخصية وتحقيق إرادات ذاتية يستغلون فيها عامة الناس، خصوصا أنها مبينة على العاطفة والانفعال في الخطابة والتواصل، والانطلاق من الحس المشترك، لأنه هو المجال الذي يتم اللعب فيه بكل أريحية، لكن الأصل في ذلك هو خدمة المصلحة التي تحركها الإرادة سواء بشكل واعٍ أو غير واعي، وهذا ما يؤكده علي بن أبي طالب الذي قال أن “القرآن حمال أوجه” وقال أيضا : “القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال”.

التدين-بين-العاطفة-والعقل
صورة تعبيرية – التدين بين العاطفة والعقل

وقد يقول قائل هناك تعاليم إلهية لا يمكن إدراكها بالعقل لأنها تتجاوز القدرة الإنسانية في التحليل والفهم؛ نقول له إن في هذا القول انتقاص من قدرة الله التي لا يمكنها أن تكون مخالفة لقوانين الطبيعة، لأنه لا يمكن تأكيد وجود الله بخرق قوانين الطبيعة، بل يؤكد وجود الله بانسجام قوانين الطبيعة مع الله وصفاته، وأن الإنسان باعتباره كائنا محدودا له القابلية والاستعداد لفهم هذه القوانين باستمرار.

التدين الحقيقي

إن النكوص والتخلف الذي نعيشه في مجتمعنا، راجع بالأساس إلى سيادة تأويل ديني يكرس لتدين يساهم في التخلف و الخرافة، وهو ما يعطينا متدينا جاهلا يقوم بأفعال تتناقض مع مواطنته في المجتمع، في حين أن الدين أساسا يدعو إلى الفضائل والأخلاق، هذه الأخلاق إذا فهمت على أن الله أودع في الإنسان الحرية والمسؤولية، بحيث أن مواطنته لا تتناقض مع تدينه، إذ يعتبر أن واجبه الديني يجعله أن يكون جزءا من مجتمعه، وأن مصالح المجتمع هي مصلحته الأولى.

من أجل دين عقلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.