كيف نتعلم اللغات الأجنبية؟

في أسبوع أم شهر؟ أم الدهر كله؟

سؤال ملح

كثيرا ما يسألني من هم من حولي من أصدقاء وزملاء وتلاميذ عن كيفية اكتساب لغة أجنبية ما والتحدث بها بطلاقة ودون صعوبات تدفع بنا نحو الملل والإحباط ومن ثم العدول عن الفكرة نهائيا..

في حقيقة الأمر، يجيد الكثير منا قواعد لغة أجنبية واحدة على الأقل، تم تلقي أبجدياتها في مرحلة من مراحل التعليم أو عن طريق دورات اللغات الاجنبية، فيصبح الواحد منا على دراية بمختلف قواعد الصرف والنحو والبلاغة قد تصل حد الإتقان، مما يمكنه من التحصل على نقاط جيدة أثناء الاختبارات، لكنه في المقابل يبقى عاجزا عن التحدث بها بطلاقة واستخدامها في مختلف تعاملاته اليومية دون المرور بصعوبات لا مُتناهية..
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إلامَ يرجع سبب ذلك يا ترى؟ وهل ثمة هناك حلول؟

الإجابة هي نعم بالطبع!

فلسفة جوفاء

إن تعلم لغة ما يستوجب التركيز على نقطتين أساسيتين هما: طريقة التعلم والتحصيل ومن ثم طريقة الاستخدام في حد ذاتها.

اللغات-الحية
اللغات الحية

وبالرجوع إلى النقطة الأولى نجد أن مناهج التعلم في عالمنا العربي بصفة عامة لا تتعامل مع اللغة على أنها وسيلة للتواصل ولا على أنها مهارة يومية تصقل بالتدريب والممارسة، بل تعاملها معاملة المعادلات الرياضية والمسائل الحسابية، أي أنها تأخذ شكل مجموعة من القواعد والقوانين التى تُستعرض على اللوح ثم تُحفظ ومن ثم يمتحن فيها الطالب لينتهي الأمر بنجاحه أو رسوبه، أي أن التركيز كله ينصّب على الشكل لا على الاستخدام والتطبيق، غير آبهين بأن طريقة الحفظ الجافة والاستعراض الأجوف غير مجدية للنفع بتاتا، بل هي طريقة لا تؤدي سوى إلى الملل السريع ثم العزوف عن التعلم وربما كره تلك اللغة وتركها نهائيا.

ثم إن معاملة المناهج على اختلافها للنصوص معاملة التقديس تضع الطالب أمام حتمية الحفظ الحرفي فيقع لا محال في فخ الترديد للحفظ دون الفهم وهذا يتنافى مع فكرة أن اللغات جزء من الآداب وليس العلوم، والأدب بصفة عامة هو فن وليس بعلم تتحكم فيه قواعد دقيقة، تؤدي مخالفتها مباشرة إلى الوقوع في الخطأ، وكأنما أصبح الامتحان في هاته الحالة امتحانا للذاكرة وليس مقياسا للفهم ولا التطبيق ولا إمكانية الإبداع، رامين بذلك فكرة أن الأدب هو فن الكلام شفاهة كان أم كتابة، وأن للفن فسحته مهما حددته القواعد!

والحديث عن الوضعيات الإدماجية أو ما يعرف بالتعبير الكتابي خير مثال على ذلك، إذ يُقيد التلميذ فيها “للأسف” بمجموعة من الضوابط كتحديد عدد الأسطر و نوع الأسلوب و ضرورة توظيف بعض التقنيات دون سواها مما يحد من قابليته على اطلاق العنان لمخيلته، ولابداعه..

ببساطة واختصار، إن اللغات الحية لا تُعامل في المدارس على أنها للاستخدام، أو أنها تلزمنا في حياتنا اليومية للتواصل والتعبير عن أنفسنا، ومن ثم التعامل معها كمادة حفظية مجهزة للامتحان من منطلق (ردوا لنا بضاعتنا) في تغييب غير مبرر للتطبيق والاستخدام، مما يجعلنا نجيد القواعد على اختلافها لكننا نعجز عن التواصل والكلام.

السؤال المهم هنا هو كيف يمكن لنا تحسين لغاتنا الحية؟ تحسين أداءنا، والتمكن من التواصل بها بطلاقة؟

الطريقة الأمثل

الحل بسيط إذا ما قسّمنا عملية التعلم إلى تلقٍّ فمعالجة ثم إنتاج فتصبح المعادلة كالتالي: الكثير من التلقي والكثير من الإنتاج للوصول الى الاحتراف، التلقي هنا هو القراءة والسماع، والانتاج هو الكتابة والكلام.

أكثر-اللغات-تحدثا
أكثر اللغات تحدثا في العالم

إن الخطوة الأولى هي البداية في القراءة جهرا ولنضع خطين تحت كلمة جهرا ثم محاولة محاكاة طريقة نطق الفصحاء من أساتذة وخطباء وربما صحفيين! فللسان أيضا ذاكرة عضلية فيصبح مع الممارسة أكثر طلاقة واكثر انسيابية.

باختصار، إن إحاطة أنفسنا باللغة يجعل منها شيئا مألوفا لدينا، السماع والقراءة جهرا كفيلان بتوسيع قائمة المفردات وتخزينها للاستعمال لاحقا.

وتبقى فكرة اقتناء أحد الكتب التسويقية على شاكلة؛ “تعلم الفرنسية في أسبوع”، “تحدّث الإسبانية أو الألمانية في يومين” كتبا تسويقية لا تتجاوز فكرة الاحتيال الذكي، لأن لها أثر سلبيا بالغا على نفس المتعلم المستعجل لاكتساب اللغة فيتفاجأ بعد أسبوع من فشله في التحدث بطلاقة كما كان يظنه وهو يقتنى الكتاب بأمل وهمي فتهوي معنوياته إلى الحضيض وهو يفشل في بلوغ هدفه المستعجل، ويفقد متعة التعلم وربما الرغبة في فعل ذلك بالطريقة الصحيحة مستقبلا.

كيف نتعلم اللغات الأجنبية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.