التحالف مع الشيطان

التطبيع المغربي الاسرائيلي

أحيانا يضطر المرء للتحالف مع الشيطان عندما يشعر أن هناك قوة خارجية تهدد وجوده و من أجل البقاء على قيد الحياة.كما أخبرنا معلمنا الروائي الروسي دوستويفسكي “ أن الشيطان يتدخل عندما يخفق الذكاء“. هذا يعني أن أفعال شيطانية ستسود بعد فشل الذكاء الإنساني في حل الأزمات والعقد. هذا المثال ينطبق على ما حصل بين المغرب واسرائيل، بعد حدوث التطبيع بين البلدين وتحسن العلاقات الدبلوماسية المغربية-الإسرائيلية وتتويجها بتوقيع مجموعة من الإتفاقيات في مقدمتها الإتفاق الإتجاري الموقع في الرباط في 21 فبراير 2022 وكذلك إعادة فتح مكتب التواصل الإسرائيلي بنفس المدينة. تلت هذه السياسة المتمثلة في التطبيع موجة من الإنتقادات بين أنصار التطبيع تحت ذريعة السلم والتعايش وأخرون أظهروا رفضهم لهذا التقارب السياسي والدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل بحجة أن فلسطين أمانة وجب الحفاظ عليها والدفاع عنها.وقد يتساءل المرء حول العلاقة التي تربط ما أنا بصدد التحدث عنه بعنوان المقال “التحالف مع الشيطان“، أوكد لكم أيها القارئ أن فهم هذا اللغز المحير لن يحصل إلا إذا قرأت ما وراء السطور وليس ما في السطور. لقد نسيت أن أتنفس وأنا أحاول أن أفهم معك ما يحدث في الوسط

عودة الى التاريخ

بكل وضوح وبدون جروح، التطبيع المغربي-الإسرائيلي هو بمثابة تحالف مع الشيطان. ولا يستنجد بالشيطان إلا من فقد كل شروط وجوده و الأكثر من ذلك أن الشيطان رمز القوة والإنتصار ومن منا لا يسعى إلى هاتين الميزتين. ولفهم هذه المتراجحة وجب علينا أن نسبر أغوار التاريخ، تاريخ الدبلوماسية المغربية حيث تأسست هذه الأخيرة من طرف أول حكومة مغربية بعد الإستقلال سنة 1956 بقيادة المبارك البكاي. في ذات السياق وما كان يعرفه العالم جراء الصراع بين الشرق والغرب وكذا الصراعات الطرفية “les conflits périphériques” ونخص بالذكر الصراع العربي الاسرائيلي حول فلسطين. وقد كانت زهرة المدائن في قلب إهتمامات الدبلوماسية المغربية أنذاك خصوصا أن أهم القرارات الكبرى التي تخص القضية الفلسطينية قد تم اتخاذها في المغرب أو أنه كان له دور مميز في ذلك.وعلى رأس هذه القرارات أن المغرب كان وراء إنشاء منظمة التعاون الإسلامي عام 1969 بالإضافة إلى الإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية خلال القمة العربية المنظمة بالرباط عام 1974 ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني علاوة على ذلك فالمغرب يترأس لجنة القدس. لكن بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد في عام 1979 واتفاقية أوسلو عام 1993 من أجل الهدنة وإقرار الصلح بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومنذ بداية الألفية الثالثة أي عندما تولى جلالة الملك محمد السادس قيادة المغرب” جعل من الدبلوماسية المغربية تمشي على رجليها بعدما كانت تسير على رأسها من قبل“. وهنا أستحضر المقولة الشائعة عن معلم البروليتاريا كارل ماركس وأثره في الفكر الإنساني:” جعل ماركس الفلسفة تمشي على رجليها بعدما كانت تسير على رأسها مع هيجل”.

قضية الصحراء

بهدف الدفاع عن قضيته الوطنية والسيادية المتمثلة في قضية الصحراء، نهج المغرب سياسة واقعية تتمثل في جعل مصالحه الوطنية في قلب اهتمامات الدبلوماسية المغربية بالإضافة إلى التقارب مع القوى العالمية الكبرى خصوصا بلاد العم سام، وتوجت هذه السياسة البراغماتية بعودة المغرب إلى حضنه الأم الإتحاد الإفريقي عام 2017 ومكاسب جيوسياسية أخرى أهمها الإعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء الغربية مقابل التطبيع مع إسرائيل، الأمر الذي تم تسميته بصفقة القرنle deal du siècle.
بعد استعراض لهذا المسار المختصر لتاريخ الدبلوماسية المغربية، يتبين أن المملكة المغربية سلكت عدة محطات وطرقت الكثير من الأبواب الأممية والدولية من أجل قضيته الصحراوية.
بالفعل فلسطين أمانة و التخلي عنها خيانة لكن لو كان ثيوسيديدز Thucydide معنا الآن لقال أن المغرب شأنه شأن باقي الدول من الطبيعي أن يعطي أولوية لمصالحه، أكثر إيضاحا من زاوية نظرية العلاقات الدولية فكل الدول تتبنى الواقعية في سياساتها الخارجية والدبلوماسية المغربية لا تشكل استثناء لهذه القاعدة. فكلما حاولنا حل هذه المتراجحة نجد أنفسنا أمام طريق حالك ونفق مسدود، لأنه ببساطة لفهم تقلبات السياسة الدولية لا يكفي أن تكون شخصا ذكيا بل شيطانا محترفا. مع ذلك قد تخرج الأمور عن سيطرتك وتفلت من سلطتك رغم التحالف مع الشيطان، فهذا الاخير لا يقدم لك المساعدة مجانا حبا في الله وفيك بل هو أيضا له خططه واستراتيجيته لذلك قد ينقلب الشيطان عليك كما فعلت أمريكا مع الجهاديين والحركات الإسلامية بشكل عام.

انخرط لكن تحوط” تبدو هذه العبارة بسيطة لكن اعذرني أيها القارئ لأقول لك أنها استراتجية نهجتها الولايات المتحدة الأمريكية من أجل منع وصد الصعود الصيني، وإذا أسقطنا هذه الاستراتيجية على التطبيع المغربي-الإسرائيلي أو التحالف مع الشيطان فالجدير بالفعل هو أن الدبلوماسية المغربية وجب عليها أخذ حذرها من الشيطان الذي تحالفت معه.تاريخيا كل تحالف أو تقارب أو أي مفهوم تفضلون قامت به المملكة المغربية مع قوة أجنبية كانت سلبياته اكثر من إيجابياته والتضحيات التي قدمت في سبيله أكثر من مكاسبه، على سبيل المثال عندما اشتد الصراع بين الامبراطورية المغربية ونظيرتها العثمانية خلال القرن السادس عشر، التجأ السعديين في شخص مولاي محمد الشيخ إلى التقارب مع الاسبان والبرتغال لمواجهة الاطماع العثمانية في شمال افريقيا، بالمقابل قدم المغرب أجزاء من ترابه لفائدة هذه القوى عموما كانت أغلبها ميناءاتdes ports. و كان قد انتهى هذا التقارب بنشوب حرب تاريخية بين المغرب واسبانيا بين 1860-1859 المعروفة بحرب تطوان واحتلال الصحراء المغربية عام 1888.رغم التشابه والانتماء الذي كان يجمع العثمانيين والمغاربة مع وجود بعض الإختلافات السياسية، ارتأت الامبراطورية الشريفة بالتقارب ومصاحبة مع من يختلف معها في كل شيء و لا يلتقون إلا في ساحة الوغى.
ما يمكن استخلاصه هو أن هذا التحالف مع الشيطان الذي قام به المغرب هو خيار استراتيجي نافع بشرط أن يختاره هو وليس أنت من تختاره،حتى تستطيع أن تنخرط وفق لتوجهاتك وشروطك وبذلك تكون قد تحوطت. كذلك أطلب من معلمنا دوستويفسكي أن يعذرني فتدخل الشيطان في بعض المرات هو امتداد للذكاء والوصول إلى مراتب متقدمة من الذكاء واستعمال العقل وإبعاد العاطفة. فإذا كانت إسرائيل شيطان فيجب على المغرب أن يكون مؤمن قوي الايمان كإيمان سيدنا عمر رضي الله عنه.

التحالف مع الشيطان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.