عروق تختنق

قصة قصيرة

رجل زحف الشيب إلى رأسه، شفتين زرقاوتين وأسنان هدمها الدخان ولفافات التبغ المتوالية،بشرة جافة لوّحتها الشمس، وجسد هزيل يقاوم بعناء موجة الفاقة التي ألمّت به. زار الطبيب وأخذ يشكو علّته، آلام تداهم ساقه أثناء المشي، ترغمه على التوقف بعد مسافة ثابتة. حتى أنه أصبح يصحب كرسيا صغيرا أثناء مشاويره، فكلما تصلّبت ساقه من الألم ورفضت الحركة، جلس ليرتاح ثم يواصل بعد برهة، ليعاد المشهد ما إن يتجاوز مسافة متساوية.
طالعه الطبيب باهتمام بعد أن طرح أسئلته ثم طلب بعض الفحوصات على موعد بلقاء آخر، لم يكن الرجل ليُجري أيّا منها لولا زوجته التي أصرّت باستماتة. عاد في موعده التالي، و ما إن بدأ الطبيب في شرح حالته حتى سرح الرجل بعيدا، بدت له تلك الكلمات مجرد ثرثرة منمّقة لا أكثر، لم يعره اهتماما ولم يحاول فهم ما يقول، لم ينتبه إلا عندما وصف الطبيب الدواء أخيرا وأوصاه بممارسة المشي بانتظام، كي ينشط عروقه الصغيرة فتعزز تروية ساقه التي تعاني شحّ التغذية الدموية، وحذره بشدة من الاستمرار بالتدخين، فقد كان العامل الأساسي إلى جانب عوامل أخرى فيما أصابه، طالعه الرجل بنظرة ساخرة: تخاريف الأطباء مجددا.. إنه يدخن منذ أكثر من عشرين عاما ولم يصبه شيء!
غادر فأشعل سيجارته ضاربا بكل التحذيرات عرض الحائط، وألقى ملفه الطبي بإهمال في ركن مهجور بالبيت، كل تلك الأشياء لا تجدي نفعا بنظره.. سيذهب إلى ” حكيم” القرية: عجوز يزعم أنه”مبارَك”يعالج جميع الأمراض التي يعرفها العلم .. و تلك التي يعرفها الجهل أيضا.. يطرد الأرواح الشريرة ويصلح كل ما يعكّر صفو الحياة. أمّا المقابل :فلا بأس بمبلغ محترم وقفة تضم مؤنة الأسبوع بسخاء.
منذ متى أضحى الدّجل حكمة؟!
كان العجوز يد الرحمة -أو البلاء- التي ستمتد من العدم لتوقف عذابه الجارف، حسب التصوّر السائد لدى سكان القبيلة، كل ما في الأمر:سيخ حاد يوضع على نار تتلظى، ثم يستقر فوق جلده، و بذلك يحصل على تعويذة الشفاء الأبدي !
لا ضير ،سيتحمل ألما مؤقتا مقابل التخلص من  معاناته، دون أن تفارق السيجارة أصابعه، ودون أن يضطر إلى شرب دلو الماء كي يبتلع ذاك العقار ذو الطعم المقيت، عصفوران بحجر واحد، إنها صفقة مربحة دون شك !
ثم عاد بآلام أطرافه التي زادت، وساق مثقوبة أبى جرحها أن يندمل..
لم يعد يطيق ألمه، غادر إلى المستشفى الكبير بالمدينة،دخل غرفة الفحص متأبطا كرسيه المطوي الذي لا يفارقه، وملفا مترهلا بدت رطوبته مستفحلة تكتم الأنفاس، و أعاد الحكاية مجددا، مع تفصيلة جديدة صغيرة جدًا: لقد قام بكيّ ساقه كي تشفى.
تفحص الطبيب أوراقه ووقف يتأمل الأشعة التي كشفت عن عائق يسد مجرى الدم بالساق ويحول دون استكماله لدورته المعتادة ،فيقف محتجّا أمام العتبة المغلقة محدثا جلبة أخرى لم تظهر معالمها على الجسد بعد .. استدار ليواجه المريض، ثم تحدث بحزم صارم و لغة عامّية صِرفة:  يجب أن توقف التبغ، عروقك تختنق! الدم لا يصل إلى ساقك التي تطالبك أن تغذيها كلما هممت باستخدامها، فترفض الإنصياع، ويترجم كل ذلك بآلامك الشديدة، ألا تراها شاحبة تكاد تغادرها الحياة؟ و الجرح الذي خُرمت به لن يبرأ دون الدم العاجز عن وصولها. يجب أن تعود لتناول الدواء و تتوقف عن التدخين، وإلا لن يزول العائق ولن تروى الساق وستموت أنسجتها رويدا رويدا مع خطر التعفن الذي يلوح في الأفق..لن يكون أمامنا سوى البتر حينها.
أضاف بلِين و صدق جليّ عندما رأى علامات الفزع وقد استوطنت ملامح الرجل: سنفعل ما بوسعنا لإنقاذ  ساقك، فهلا ساعدتنا ؟
أومأ المريض بخوف ورد بعزم في الآن ذاته: لن أبتر ساقي، سأبتر السيجارة!

عروق تختنق

ندى شحيما

طالبة طب في طور التكوين، مدونة في البدايات، محبة للقراءة و الكتابة و ما قرب إليهما من سبيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.