السينما والطفولة

يمكن القول أن عشق السينما أمر لا بد منه ، وأزعم أنه لا وجود لشخص لم يحب السينما على الإطلاق ، أو أنه أحبها في يوم من الأيام بشكل من الأشكال وأقلع عن ذلك لسبب من الأسباب ، فالعشق درجات ، فهي مرآة المجتمع وانعكاس لثقافته وواقعه والمعبرة عن فكره ووعيه وتجسيد للجمال والطريق إلى سبر أغوار النفس البشرية والنبش في أعماقها .

أدركتُ معنى الأفلام وليس السينما ، لكي أكون أكثر دقة ، فمصطلح السينما غالبا ما يحيلنا على المكان أي القاعات السينمائية أو هكذا يبدو لي الأمر ، فلا أتحدث هنا عن هذه الأخيرة التي عرفتها الأجيال السابقة بشكل كبير باعتبارها المكان والمتنفس الوحيد للاستمتاع بالصور المتحركة التي أبدعها كبار المخرجين في شتى ربوع المعمورة ، أما الأجيال الحالية فتعتبر ضحية التكنولوجيا في شقها السلبي حيث أصبحت القاعات السينمائية مهجورة إلا القليل منها وهناك من لم يذهب إليها قط في حياته ، لأن عشاق السينما أصبحوا يتابعون المنصات الرقمية التي تعرض أفلامهم المفضلة من خلال هواتفهم وحواسبهم المحمولة .

أقول إنني عرفت الأفلام في صغري من خلال متابعة بعض القنوات الفضائية القليلة جدا ، خاصة المصرية منها والتي تعرض الأفلام بين الفينة والأخرى من خلال تلفاز عتيق بالأبيض والأسود قبل ظهور التلفاز الملوّن ؛ فتأثير السينما المصرية على الشعب المغربي باق إلى يومنا هذا بسبب غزارة انتاجاتهم السينمائية والتلفزيونية واهتمام إعلامهم بالمجال الفني بصفة عامة .

أود الرجوع إلى فترة مهمة جدا من الطفولة وهي مرحلة نهاية التسعينات من القرن الماضي ، تلك المرحلة التي عرفت انتشار المسلسلات المكسيكية المدبلجة بشكل كبير وتتابعها شريحة لا بأس بها من الشباب فهي شبيهة بظاهرة متابعة المسلسلات التركية والكورية في وقتنا الحالي . فحتى في القرى تبدو الأزقة شبه فارغة من المارة أثناء عرض المسلسل الذي يتابعه الجميع ، وعرفت تلك الفترة كذلك انتشار أجهزة الفيديو بشكل كبير ؛ كنا نجلس لمتابعة شريط الفيديو المفضل لدينا ونترقبه بفارغ الصبر فتصيبنا الدهشة الممزوجة بالفرحة والإعجاب بذلك الجهاز العجيب والغامض حيث تتسم لحظات ما قبل العرض بأجواء خاصة فيوضع الجهاز في المكان المخصص له استعدادا لبدء السهرة ، بعد نهاية العرض يلف الجهاز في ثوب جميل ويوضع في الصندوق الخاص به مع الأشرطة ويرجع الى مكانه إلى موعد لاحق .

إنها النوستالجيا و ذاك الحنين إلى تلك الأيام واللحظات الجميلة في القرية ؛ طقوس خاصة واستعداد من أجل متابعة فيلم على جهاز الفيديو في أيام العطل الصيفية ، فمشاهدته لم تكن متاحة في أي وقت من الأوقات ، فلا بد من تحديد يوم العرض والانتظار حتى المساء حيث يجتمع الساهرون لمتابعة فيلم من أفلام ”بروس لي“ أو ”جاكي شان“ أو فيلم من أفلام رواد السينما الأمازيغية ك”بوتفوناست“ ، فرغم أن الأشرطة كانت قليلة وغالية الثمن ، لا يمكن اقتناءها باستمرار إلا في مناسبات قليلة وحتى إمكانية استئجارها غير متوفرة إلا في المدن الكبرى ، لكن رغم ذلك كنا نستمتع بها في كل مرة نشاهدها فيها ، كأنها الأولى والسبب راجع إلى تباعد فترات المشاهدة مما يجعلنا مشتاقين إلى رؤيتها من جديد ، فكلما قل الشيء زاد جماله وحلاوته .

يمكن تشبيه السينما بالفلسفة فهي تجعلنا نطرح الأسئلة باستمرار حول ما نشاهده على الشاشة ، فهي وسيلة لتجسيد الواقع الذي نعيشه ؛ فرغم معرفتك المسبقة بأن ما تشاهده على الشاشة مجرد تمثيل لكن مع ذلك تتأثر به ويجعل مشاعرك أسيرة له وعقلك مأخوذا به ، ذلك هو سحر الصورة .

تلك القصص التي أبدعها الروائيون وكتاب السيناريو وترجمها المخرجون إلى مشاهد ولقطات بعدسات مختلفة من زوايا متعددة ، يجسدها الممثلون بإبداع وحس فني مرهف ، فيتملكنا الفضول لمعرفة خباياها سواء المتعلقة منها بمضمون القصة وحبكتها أو بالجانب التقني وكواليس صناعة العمل الذي نراه على الشاشة خاصة إن كان مختلفا عن العادات والتقاليد التي تعودنا عليها .

المغزى من كل ما ذكر هو التأمل في سحر السينما وتأثيرها على وعي الانسان ، ثقافته ووجدانه ، فالفن غير مرتبط بأماكن معينة ولا يفرق بين القرى والمدن ، فهو نافذة للإطلال على العوالم الأخرى وعادات الشعوب وأفكارهم ، فرغم قلة الإمكانات حيث امتلاك جهاز الفيديو في ذلك الوقت يعتبر نوعا من الترف ويجعل بيت صاحبه قبلة لمحبي الأفلام ومتنفسا للشباب ومكانا للترفيه. تلك اللحظات لا تقدر بثمن وتبقى عالقة ومنقوشة في الأذهان .

إسماعيل خيرالدين

أشتغل بمؤسسة للمجتمع المدني، مهتم بالتصوير الفوتوغرافي و صناعة الفيلم الوثائقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.