السماح بالرحيل

معنى السعادة

يتفق الجميع على أن السعادة هي المطلب الإنساني الأزلي مهما اختلفت أوجهها وتعددت طرق تحصيلها، فكل منا يطلبها على طريقته الخاصة ويجدها في اشياء معينة دون سواها، فقد تتحقق السعادة عند البعض عن طريق الحب أو عن طريق العائلة، كما قد تتحقق عند البعض الآخر عن طريق المغامرة وكثرة الأسفار وتحدي الصعاب، وقد يجدها الكثيرون في تحقيق النجاحات العملية والمكاسب المادية..

إذن، تختلف صور السعادة ومدى التلذذ ببلوغها، كما أن الطريق نحوها قد لا يكون سهلا ممهدا دوما، ففي الكثير من الأحيان نصطدم بمواقف قاسية ومؤلمة فنُصاب بالانكسار والألم فترات قد تقصر وقد تطول قبل التخلص من حالة الضعف تلك والانطلاق من جديد.

وقد يحدث هذا نتيجة لخسارة ما، أو بسبب الفَقد أو الغدر أو الخيانة الى غير ذلك… فيولد حينئذ شخص جديد لا يشبه ذاك الذي كان عليه سابقا في شيء. شخص حزين، منعزل، سلبي وربما مكتئب، والسبب في ذلك هو عدم قدرتنا على التخلص من مشاعرنا السلبية التى عايشناها سابقا فنصبح بذلك أكثر خوفا.. وأشد حزنا.. نخاف من خوفنا اللامبرر من الأشخاص والأحداث إن هي تقاطعت في نقاط تشابه مع ما عايشناه سابقا، كما قد يكبر فينا حزن لا مبرر، فنحزن على أنفسنا بسبب ما يسيطر علينا من هواجس كلما أحسننا أن الماضي سيتكرر معنا بشكل أو بآخر.. ببساطة سنصبح ضحية لحلقات الجحيمية اللامتناهية..

تحليل علمي

والحديث عن هاته المشاعر السلبية وآليات التخلص منها يجعلنا نتحدث عن ما جاء به الدكتور ديفيد هاوكينز في كتابه “السماح بالرحيل” فهو خير من وضع يده على جرح ارتباطنا بالماضي المؤلم ووهم تجاوزنا له وشفائنا منه، فقد تحدث في البداية عن عدم قدرتنا على الاستمتاع برفاهيتنا والتلذذ بكل ما هو جميل مرجحا السبب في عدم قدرتنا على التخلص من مشاعرنا السلبية السابقة كما ينبغي.

ديفيد هاوكينز

وحسب نفس الكاتب، فإن ردة فعل الأشخاص عادة تجاه هاته المواقف تنحصر في ثلاثة نقاط:
أولها كبت تلك المشاعر وقمعها، بمعنى محاولة كتم ودفن تلك المشاعر السلبية عن طريق حجزها في أرشيف العقل الباطن والتصرف كأن شيئا لم يكنن ويلجأ لهذا الأسلوب عادة من يتميزون ب”أنا” متضخم أو كبرياء مبالغ فيه.

كما قد يلجأ البعض الآخر إلى عكس ذلك أي إلى الحديث بإسهاب عما حدث والمبالغة في الفضفضة، وتظن الغالبية هنا أن التحدث عن المشاعر السلبية دون محاولة كبتها أو الهروب منها هي طريقة كفيلة للتخلص منها، والحقيقة أن ما يحدث هو أمر من اثنين لا ثالث لهما: إما أن يكون تشبثا صريحا بالمشاعر والحالة وتعزيزها وشحنها بالاسترسال في الحديث عنها دون وعي، وإما أن ينقلها للشخص المقابل له فيثير فيه مشاعر مشابهة.
أي إن التحدث عن المشاعر في هاته الحالة لا يعني بالضرورة أننا عشناها كما ينبغي وسمحنا لها بالمغادرة.

أما الطريقة الأخيرة في التعامل مع المشاعر السلبية هي الهروب عن طريق محاولة ملء الفراغ والانشغال الدائم وعدم السماح للنفس بالانعزال واستنزاف نفسها بالتفكير في ذات المشاعر السلبية.

وهذه الطرق الثلاث لا تساعد في الحقيقة إلا في تخزين المشاعر السلبية في العقل اللاواعي وتراكمها مع مرور المواقف والأحداث فتتضخم في غفلة منا، ليصبح تأثيرها واضحا على تصرفاتنا لاحقا.
لهذا نجد الواحد منا ينفجر غضبا أو يحزن بشكل مبالغ فيه إزاء موقف نرى أنه لا يستحق رد الفعل المبالغ فيه ذاك.
والحقيقة أن ذلك الموقف ما هو إلا استثارة لمشاعر سلبية كانت موجودة بالأساس.
ومن هنا وجب علينا التفكير في السماح لتلك المشاعر المكبوتة بالرحيل نهائيا وذلك من أجل حياة نفسية وجسدية صحية.

كيفية التشافى من المشاعر السلبية

الجانب العملي

إلى هنا، يمكن لأغلبنا أن يبدأ في تذكر المواقف السلبية التى مر بها دون جهد كبير، تلك المواقف وما خلفته من مشاعر سلبية لديه هي ما يجب معالجته الآن.
كيف ذلك؟ الإجابة ببساطة بترك تلك المشاعر تغادر.
لكن كيف نفعل ذلك؟
الأمر بسيط..
غن الوصول لهذه المرحلة من الوعي بالمشكلة يعادل نصف الطريق نحو النجاة،
ومن ثم تأتي الخطوة الاهم وهي مرحلة مواجهة تلك المشاعر، فأغلبنا يخاف مواجهة بعض المواضيع لأنه يخاف مشاعر الخوف والالم والحسرة.
فالحقيقة أن المواقف ليست هي ما يؤلمنا بالفعل، لكن المشاعر المرتبطة بتلك المواقف هي من تفعل ذلك..
يقول ذات الكاتب: “نخاف من مشاعرنا ونخاف من أن ننظر إليها، لأننا لا نملك الآلية الواعية للتعامل معها، فتتراكم حتى تصل بنا إلى أن نتمنى الموت لإنهاء هذا الالم”.

في رحلتنا نحو السلام الداخلي، لا ينبغي أن نقاوم مشاعرنا، مهما تسببت لنا بالألم، يكفي أن نعيشها كما هي بالضبط..

إن التدرج من مراحل الألم العظيم نحو العابر منه، هو دلالة على أن آلية السماح بالرحيل تسير على الوجه الصحيح..
وإن الاختلاء بالنفس والبحث عن الأشياء المتراكمة والتعرف على المشاعر المدفونة ومن ثم الاعتراف بها، وعيش تلك المشاعر بتجرد إلى أن تتبخر تدريجيا هو ما يجب علينا القيام به.
دون ان ننسى أن التوكل والتسليم بأن الخير هو في ما اختاره لنا الله كفيل بحل جميع المشاكل النفسية دون استثناء، وأن المصائب تنزل علينا لحكمة كما أنها تنزل بتلطف من الله وكل ذلك لسبب سندركه لاحقا، وسنشكر الله عليه ونرضاه قسمة لنا.

السماح بالرحيل

سلمى بن دعاس

استاذة لغة فرنسية. مهتمة بالادب.. بالترجمة و الكتابة الفلسفية كتبت رواية تحمل عنوان (عندما نشتهي..نشتري).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.