المرأة المجنحة أو تواطؤ الحكايات

رويت هذه الحكاية آلاف المرات . في كل مرة أحكيها بطريقة مختلفة . هذه واحدة منها .
– «لا أحتفظ بأي ندم اتجاه الماضي. لا أحقاد لدي ولا كراهيات . هذه المشاعر تخص من يملكون أفكارا أو مهنة أو هدفا في الحياة . وأنا لا أملك من هذا شيئا . ما أملكه في هذه الحياة هو اهتمام محلل للحكايات . أتوقف ، أفك رموزها ثم أواصل إلى الأمام ، لا أقحم في ذلك أي عاطفة . لكن لا مبادئ لدي . اليوم أدافع عن فكرة . وغدا عن نقيضها. ولا أؤمن بما أدافع عنه اليوم ، ولن يكون لدي إيمان بما أقوله غدا . اللعب بالأفكار والمشاعر والكلمات بدا لي دائما هو الأسمى في جماليته ، أحاول أن ألعب بهن قدر ما أستطيع» . يقول إدوارد مخاطبا روبي .
تم اللقاء بين إدوارد وروبي تحت رعاية الصورة . رسم كل منهما صورة الآخر ، وبسبب هفوة غير مقصودة تبادلا الوجهين ، وحصل اللقاء .
لم يكن إدوارد رساما ، بل كاتبا يكسب قوته من مقالات أدبية ، تتفضل بعض الصحف بنشرها . وضع غير مستقر ، ويراه مؤقتا ، على كل حال ، ذلك أنه يطمح إلى التدريس في الجامعة ، ولتحقيق هذه الرغبة لم يكن له بد من تهييئ أطروحة دكتوراه . بعد تردد طويل ، قر عزمه أن يخصصها لبحث في ألف ليلة ولية .
يتذكر إدوارد إحدى حواراته مع روبي التي كانت حول فن الواسطي . ينبهها بأسلوبه البيداغوجي إلى أن منمنمات الواسطي ما هي إلا تصوير لمقامات الحريري . ثم يستطرد في الحديث عن فن المقامة عاقدا مقارنة بينها وبين الرواية الشطارية . تستقبل روبي محاولاته بتعاطف (وربما بشفقة) لكن ، بدون حماس ، امتثال بارد ، بل يحس أنها من باب المجاملة تمتنع عن التعبير عن خيبة أملها ، فتصغي وذهنها شارد .
يجد إدوارد نفسه في موقف دفاعي ، كلما تعلق الأمر بالأدب العربي ؛ يرى من واجبه مناصرته ، ما يجعله يلعب رغما عنه دور المعلم أو المدقق الذي يبذل أقصى جهده من أجل إثبات الحقيقة . وحتى عندما لا يروقه كتاب عربي، يسعى ، مع ذلك ، إلى دعمه (وفي بعض الأحيان تبريره) . وهذا ما كان يحدث له مع الحريري . فلم يكن بأي حال من الأحوال ليختار قراءة المقامات في أوقات فراغه أو يصطحبها معه في سفر أو نزهة . إن نصوصا كالمقامات ترتبط بالعمل الجاد ، المفروض ، والذي يتطلب جهدا وتركيزا كبيرين . إنه كتاب يقرأ تحت ضوء الشمس .
إن شخصيات هذه الحاكية تعبر عن إمكاناتي الشخصية التي لم تتحقق . إنها احتمال تخييلي لما كان من الممكن أن تكون عليه تجربتي . وهل للأدب تعريف أدق من هذا ؟ احتمالات إنسانية ؟ لكن هذا يكفي لنعد إلى إدوارد .
لطالما اعتقد إدوارد أنه غير قادر على أن يكون هو نفسه إلا عازبا . كان يحرص إذا كل الحرص على تنسيق نظام حياته بشكل لا يمكن معه لأية امرأة أن تأتي لتقيم عنده مع حقيبتها . وعلاوة على ذلك ، هو لا يملك إلا سريرا واحدا . حين بقيت روبي عنده في المرة الأولى لم ينم إلى جوارها ، بل أمضى ليلته الأولى على مقعد كبير ، ينتظر نومها ، بعدما غفت عيناها غادر إلى غرفة أخرى .
لكنه في هذه المرة نام قربها ، كان متعبا . عندما استيقظ في الصباح وجد أن روبي لا تزال نائمة وهي تمسك بيده . هل بقيا ممسكين بأيديهما هكذا طوال الليل ؟ كان يصعب عليه تصديق هذا الأمر .
لم يكن يجرؤ على سحب يده من قبضتها لئلا يوقظها ، فاستدار بحذر على جنبه ليتمكن من مراقبتها بشكل أفضل .
مرة أخرى قال في نفسه : إن روبي طفل وضع في سلة مطلية بالقطران ورميت في مجرى النهر (العالم كان دائما قاصيا مع روبي وهي أكثر النساء رقة وخفة) هل في إمكان المرء أن يترك سلة في داخلها طفل تنجرف مع مياه النهر ؟ لو لم تخرج ابنة فرعون سلة موسى الطفل من الماء لما كان العهد القديم . في بداية أساطير كثيرة هناك دائما أحد ينقذ طفلا لقيطا . لو لم يلتقط بوليب أوديب الطفل لما كتب سوفوكليس أجمل مسرحياته التراجيدية .
لم يكن إدوارد يدرك من قبل أن الاستعارات شيء خطير . لا يمكننا أن نمزح مع الاستعارات . فالحب قد يولد من استعارة واحدة.
إن أمل روبي الوحيد في الحياة هو أن تكون أكثر خفة . أن يشبه وجودها وجود الفراشات . ربما بسبب ذلك كانت معجبة بحكاية حسن البصري . رواها إدوارد في أول موعد لهما .
كان حسن البصري يعيش حياة هادئة مع أمه في بغداد . بيد أن كل شيء تغير يوم زاره بهرام المجوسي في متجره . وحدثه عن أرض بعيدة ، وعن كنوز مسخرة له ، وليست من نصيب أحد غيره . هذا مسطر في كتاب يضيف المجوسي .
بعد ما لا يحصى من الصعاب ، وصل حسن البصري أخيرا إلى بلاد الجن . تم استقباله من لدن سبع بنات ، عددنه أخا ، وقمن بإيوائه في قصرهن . بصحبة الأخوات السبعة قضى أياما هادئة في القصر ، وظاهريا نسي أمه ، ولم تخالجه فكرة العودة إلى البصرة . تجمعه محبة خاصة مع الأخت الصغيرة ، حنان تلقائي وغريب . لكن هذه الحياة بلا آفات ، لا يمكن أن تدوم ، سيحدث حتما تطور ، مرغوب ومرهوب ، وبالفعل فإن أب الفتيات ، وهو ملك الجن ، دعاهن لزيارته . فمضين ، وتركن ضيفهن وحيدا . وجد نفسه حينئذ أمام باب ، منعته الأخت الصغيرة من فتحه ، سلمته قبل انطلاقها مفاتيح الأبواب جميعها ، ونصحته ألا يفتح أحدها .
ضاق صدره ، وحزن لفراقهن ، وطبعا لم يفكر إلا في الباب الممنوع . فتحه ، فرأى بساتين وبحيره ، وإذا هو بعشرة طيور قد أقبلوا لكنهم في الحقيقة عشرة بنات أبكار ، نظر حسن إلى إحداهن فسلب عقله ، وعرف أن البنات ما نهينه عن فتح الباب إلا لهذا السبب ، فشغف حسن بها حبا ، لما رأى من حسنها وجمالها .
شعرت الأخوات لدى عودتهن بالأسى ، لكونه أشرف على الهلاك بسبب الغرام . بيد أن الصغيرة بادرت إلى مساعدته ، فأعلمته ، أن محبوبته بنت أعظم ملوك الجن ، وأنه لن يفوز بها إلا إذا استحوذ على معطفها من الريش حال عودتها مع رفيقتها إلى البحيرة . نجحت الخطة واستولى حسن على بنت أعظم ملوك الجن . وبعد حوار دار بين الأخوات والجنية أقنعنها أن تتزوج حسن البصري . وبعدما تم الزواج حذرت الأخت الصغيرة حسن من أنه لا يجوز أن يعيد للجنية معطفها الذي هو سر تفوقها وقدرتها ، وإلا قتلته ، وفي أحسن الأحوال هجرته .
كان من الممكن أن تنتهي القصة بعودة حسن إلى البصرة رفقة زوجته، غير أنه كان ملتزما بوعده أن يزور أخته الصغيرة. قبل أن يفي به، ويتوجه إلى بلاد الجن قدم لأمه نصائح خاصة بأسيرته، ومن بينها أن لا تخرج من الباب أو تطل من النافذة. والأهم من ذلك ألا تعثر على ثوب الريش المدفون في صندوق وسط البيت. من نافلة القول أن توصياته لن تنفذ. وأن الجنية ستجد الصندوق وتهجر حسن البصري.
كان إدوارد وهو يروي الحكاية يبدي استنكاره ورفضه لسلوك حسن البصري. كيف سمح لنفسه بسرقة توت الجنية؟ أكان يعتقد أنها ستظل سجينته للأبد؟ فجأة تحول ثوب الريش مع إدوارد إلى رمز يجسد حرية الاختيار وتقرير المصير.
– «انهزمت لأنها حرمت من ملبسها. قطع جناحاها وغذت بدون قوة. وفقدت نظرة ميدوسا التي تحول إلى حجر من يحدق فيها. لن تسترد قدرتها الخارقة إلا إذا استرجعت معطفها من الريش.» يقول إدوارد مدافعا عن الجنية.
استقبلت روبي الحكاية بابتسامة متواطئة. أدركت أنها رسالة مشفرة من إدوارد. إنه بخلاف حسن البصري يمنحها معطفها من الريش، ويعدها بأنه لن يسلب جناحيها. روبي حرة وستبقى دائما كذلك.
بعيدا عن ولعها بالحكايات، كانت روبي أكثر النساء عناية بمظهرها، ترتدي ملابس وحلي وعطور ومساحيق باهظة الثمن. لكن سرعان ما أدرك إدوارد أن روبي لا يمكنها إلا أن تكون في ثوب أبيض من القطن، وأن سحرها يكمن في الذات عندما تمحو زينتها، عندما تحمل الآخرين على نسيانها، لم تكن زينتها سوى الإطار الذي تبرز فيه بسيطة، طبيعية، أنيقة، وفي الوقت نفسه مرحة، باشة.
هل من الضروري أن نذكر أن إدوارد شعر بسعادة لا توصف لما تعرف إليها؟ كانت البهجة تشع منها، وكل شيء أصبح عجيبا، وفي مكانه الصحيح في العالم. كل كلام ينطق يبدو مبهرا، اكتشافا، وعدا بالغبطة والابتهاج. كان ابن حزم محقا عندما قال إنه لم «ير أشد تبجحا، ولا أعظم سرورا بما هو فيه من محب، أيقن أن قلب محبوبه عنده، ووثق بميله إليه». كان على يقين من حب روبي، ويعد نفسه محظوظا للغاية. فرصة عجيبة غير متوقعة انبثقت في حياته، وأحيانا تخيفه، لاعتقاده أنه ليس جديرا بها تماما. كان يخشى أن يضطر إلى دفع الثمن في يوم من الأيام. لكنه كان يعرف أن بيده الأمر لإدامة الحالة الجديدة، وأن من واجبه أن يكون لا مأخذ عليه في الأحوال كلها. غمره الشعور بالمسؤولة (بالثقل)، عليه أن يكون متيقظا باستمرار، فلا يسمح له أي تقصير أو اخلال بالتزامه. كان واثقا من أن روبي لن ترتكب أي خطأ.
إنه هو الذي..
هو الذي فتح كتابا، كتابا قديما، يعود إلى القرن الرابع الهجري، «ألف ليلة ولية». لقد فتح حسن البصري بابا ممنوعا، أما إدوارد، فإنه فتح كتابا ما كان له أن يقرأه. وفي الواقع لم يقرأه، بالكاد بضعة أسطر. وهذا ما قد يبدوا غريبا: أن يمارس كتاب تأثيرا على القارئ، أن يقلب حياته رأسا على عقب، فهذا ليس مفاجئا. أما كتاب لم يقرأه…؟
إن حكاية روبي وإدوارد كحكايات ألف ليلة وليلة، إنها موجودة على الدوام، متدلية مثل فواكه يانعة من شجرة أصلية. إنها إعادة سرد وترتيب لحكايات موجودة سلفا.

وليد احمين

وليد احمين طالب بالمدرسة العليا للأساتذة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.