قصة مروة وما تبقى من أمل

بإرادة قوية نحقق المستحيل

في ذلك الصباح، كان المشهد مفجعاً، كئيباً، سحب الدخان والغبار حجبت ضوء الشمس، الهواء مشبع برائحة الموت، كل شيء يتأوه، يصرخ، المدينة تمطر أحزانها، مع إشراقة شمس صباح ذاك اليوم.

مسرح الجريمة كان موطنها الأصلي دمشق أمام باب منزلها وبجراح مثخنة تنزف بدأت بالزحف وسط غبار كثيف لم تشعر بألم الإصابة وهي تبحث عن أطفالها بين دمار القصف الذي أصيبت فيه،واجهت الموت الذي كان قريباً جداً منها بروح قوية صابرة.

“مروة “28عاماً من مواليد ريف دمشق” تروي لنا قصتها مع الحرب التي أدت إلى إعاقتها.
تقول مروة بعيون دامعة وصوت مرتجف:”لا أنسى ذلك اليوم أبداً كان يوم السبت 28/02/2014 الساعة التاسعة صباحاً، بدأت بتجهيز أمور المنزل لكي يصطحبني زوجي إلى منزل أهلي، فلم أقدم على زيارتهم منذ ولادتي لطفلي الصغير الذي بلغ من العمر الشهر والنصف، كنت فرحة جداً، اشتقت لوالدتي وأبي وإخوتي،وبينما أنا أقوم بتصفيف شعر ابنتي سمعت صوت الطائرة، طائرة قريبة جداً كان القصف مستمرا على المنطقة منذ أسبوع، دخل زوجي المنزل مسرعاً وهو” ينادي الطيران سيقصف المنطقة كلها علينا مغادرة المنزل،يجب أن نخرج إلى مكان بعيد” دعانا للخروح انا وأمه كان هناك تردد كبير في الخروج من المنزل من جهتي، حتى قصف منزل جيراننا بنفس اللحظة، غضب زوجي وأمرنا بالخروج فوراً، حملت طفلي وحملت زوجة عمي طفلتي وخرجنا، أما زوجي هرع مسرعاً إلى منزل الجيران لإسعاف الجرحى منهم، اخبرني بأنه سيتبعنا بعد إسعاف المصابين، وماهي الإ دقائق وعند عبورنا الشارع، نفذ الطيران الحربي على الطريق الذي كنا نعبره، هي ثانية واحدة لم أعد أرى شيئاً، كان الغبار يعلو كثيفاً يحجب عني الرؤية،ولايوجد أي صوت، للحظات عم الهدوء خلت الأماكن من أي صوت عدا صوت الطائرة التي لازالت تحلق وتقصف بكل المنطقة، لم أنظر الى ماحل بي، بت أبحث عن أطفالي بين الدخان زحفاً، هل ماتو؟ أين أنتم أصرخ بأعلى صوتي، هرول زوجي مسرعاً إلينا دموعه تصرخ أكثر منه “إسعاف “إسعاف...
مع التكبير والاستنجاد بالله (ياالله مالنا غيرك يا الله) بكاؤه قطع نياط قلبي، علماً أننا كنا وقتها في حصار، حملني زوجي بعد أن عثر على أمه وأبنائي وضع غطاء حولي وبدأ يقول لي انطقي بالشهادتين، قلت له لا لن أموت طفلي صغير لازال يرضع، لم أكن أشعر بألم الإصابة في البداية كان الوجع لحظة الفاجعة أنها الفارقة، فارقة بين الحياة والموت، هي لحظات كانت تفرقنا عن الموت أنا وعائلتي،بعد إسعافي إلى المشفى لم أعد أتذكر شيئا، أخبروني أني استيقظت بعد ثلاثة أيام، عندما استقيظت وجدت نفسي بدون أطراف قد بترت أطرافي السفلية، لم أملك ما أقوله سوى الحمدلله، بقيت بعدها حوالي الشهر والنصف حتى شفيت، استغرب الأطباء من سرعة شفاء جروحي، لكن جميع من حولي قالو لي لأن إرداتي قوية وحبي للحياة وعائلتي كان اكبر من أن أفقد الأمل، وبعدها اعتليت الكرسي المتحرك المخصص للمعاقين كنت أبلغ من العمر حينها 21عاماً.”

عن معانتها قالت:”عانيت كثيراً ببداية إعاقتي أحسست أن الحياة أصبحت ناقصة، كان زوجي وأهلي يقومون بدعمي نفسياً لاتخطى تلك المرحلة الصعبة، وفعلاً ماهي إلا أشهر ثلاثة حتى اعتدت الوضع وبدأت أتأقلم مع وضعي الجديد، رغم كل شي إلا انني أستطيع أن اقوم بأعمال المنزل والتنظيف وأشعر بالرضا عن ذلك .”
عن ألم الفقد تقول مروة:”بعد ذلك استشهد أخي الوحيد وفجعنا بفقده، الفقد يسبب ألماً فظيعاً،كلما اعتقدت أنك إعتدته كلما أحسست بألم في قلبك يعيدك إلى مرارة الفقد خصوصاً في ظل الحصار والإنعدام العام عن الحياة الذي كنا نعانيه أثناء تواجدنا في بلادنا، لن نعتاد الفقد أبداً ولكن مايصبر قلوبنا أننا سنتلقي، إن لم يكن في هذه الحياة فسيكون موعدنا دار الخلود.

مروة تغتزل الكلام عن أحلامها :”بعد تهجيرنا من بلادنا بدأت أشعر أن علي أن أكون أقوى أن أواجه ظروف الحياة مهما كانت يجب أن يكون لدي أحلاما وطموحات أحققها. فقد كنت أدرس في دمشق بكلية علم النفس تنمية بشرية وأيضاً كان حلمي أن أفتح روضة رياض أطفال، هذه الامنية المحببة إلى قلبي، لكن لم تسعفني الظروف ولا الأيام. لكن الآن لدي أحلام وطموحات وأحلامي المستقبلية أن افتح روضة أطفال،أنا من أكون مشرفة عليها، وعلى الرغم من إعاقتي لا أظن أنه هناك مايعيب في هذا الأمر بل على العكس تماماً، أنا أشعر بالفخر الكبير أنني لم أخضع ولم أستسلم رغم جميع الظروف، بل عبرت عليها جميعا. ومن هواياتي الكتابة، عملت دورات تدربيبة وكورسات في الصحافة والإعلام والأن الحمد لله أصبحت” محررة “وسأكون أقوى وأفضل.

لن تنتهي الأحلام أبداً مادام هناك نبض في قلوبنا سنسعى لنصبح الأفضل لا يأس في قاموس من عرف قدر نفسه،ليست مزحة ولم تكن أبداً كذلك، أنا بالفعل أخوض صراعاً كل يوم من أجل أن لا تتحطم أحلامي، من أجل أن أبقى شخصاً لطيفًا مع الجميع، أحاول تجنب حقيقة أن الواقع في غاية التعاسة والمضي في سبيل تحقيق أحلامي.”

مروة ماهي إلا واحدة من آلاف السوريين الذين فقدوا أطرافهم أو أصيب الأغلبية منهم بإعاقة جسدية إن كان أطراف أو تشوهات جسدية، والسوري الذي لم يتشوه أو يعاق جسدياً فقد شوه عقله وقلبه بفراق أحد من عائلتة ان كان معتقلا ً او شهيداً او مفقوداً، والذي لم يذق من هذه المرارات فقد ذاق طعم التغرب عن وطنه وأهله، أخرجوهم بالباصات الخضراء منهم من ترك زوجته وأطفاله، ومنهم من ترك أمه وأبيه منهم من ترك بيتاً ووطناً.

تسكننا الأمكنة وتعشش في أروحنا، نسجل فيها ذكرياتنا وتسجلنا كمشاهدي السينما على كوة قطع التذاكر، وعندما نرحل عنها، نرحل تاركين نتفاً من أروحنا هنا وهناك، يمر الزمان و يحدث أن نعود ذات يوم لنراها سجلت ذكريات أخرى لعابرين آخرين، حتى لو تهجرنا فللأماكن ذاكرة، ترانا فتعرفنا وتذكر كيف كنا، ومهما مر من خطوب عليها سنعود إليها

قصة مروة وما تبقى من أمل

مريم الابراهيم

اعمل لدى الصحافة والاعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.