طبيبك..هو أنت!

– ليلى !! إنه دورك ..
– نعم .. حسنا
نهضت وتوجهت نحو غرفة الطبيب ، قلبي يرتجف ويداي تتعرقان ، لا أعلم السبب الحقيقي …لكن أظن أنني لا أود البوح بكل ما عانيته نفسيا لمدة طويلة .

طرقت الباب وتقدمت ، كان أمامي رجل في الستينات من عمره ، أشيب الشعر ومتأنق الهندام .

– السلام عليكم سعادة الطبيب .
– مرحبا ليلى كيف الحال … تفضلي بالجلوس ، واسترخي ! فلا يوجد ما يدعو للذعر .

جلست ولازال الخوف يظهر بملامحي ، أحسست بالطبيب يحاول ترطيب الجو بيننا …

– هل تدرسين يا ليلى ؟
– نعم ، أدرس بكلية الاداب قسم الفلسفة .
– آه جميل ، تعرفين فرويد إذن …
– نعم ومن لا يعرف صاحب الليبيدو ، لقد قرأت له كثيرا .

تحدثنا لوهلة من الزمن عن فرويد وافكاره وعن اريك فروم ، حتى انتقلنا إلى الحديث عن أفلاطون وبعض الفلاسفة ….

– لقد ظهر أنك تعرفين الكثير عن التحليل النفسي ودراسة الشخصيات !

– قليلا فقط ، أفهم الآخرين …بيد أني عجزت عن فهم نفسي !

– إنها أعقد مما تعتقدين يا ابنتي ، تظاهري أنك تتحدثين إلى نفسك ، وأخرجي ما بجعبتك ..
– أشعر بالكلمات تهرب مني .. ولا أدري من أين أبدأ !!
– تكلمي فقط ..
– لقد تغيرت كثيرا ، ولم يعد أي شيء يغريني ويمنحني الشغف ، لقد فقدت كل شيء ، لا انام ولا أستيقظ ، أظنني بينهما طوال اليوم ، أجلس بالظلام ولا أقوم بأي شيء ، حياتي روتينية كئيبة لا أرى بها سوى السواد ، أفكر كثيرا … يكاد رأسي ينفجر من كثرة التفكير في اللاشيء !!! إنه العدم يا دكتور … العدم يكاد ينهيني … بل أظنه أنهاني .
– أكملي يا ابنتي ، فلتبوحي بكل ما لديك …
– لقد أهلكني ما أهلك نيتشه يا دكتور .
– تحدثي وأخبريني بكل ما لديك ، لا تستحيي من أي شيء …
– أنا لا أستحيي منك يا دكتور أكثر مما أستحيي من نفسي ، التي تلذذت بتعذيبها داخل دوامة لا باب لها ، لقد قصدتك يا دكتور ، لعلك تفتح نافذة تخرجني ….
لقد عانيت كثيرا لمدة طويلة ، ولم أكن على دراية بهذا … إلى أن وجدت نفسي داخل ضغوطات نفسية وأمراض عصبية .
لكن أعترف بأن غلطتي التي لا تغتفر ، اني ارتميت الى الحب صغيرة جدا ، وصدقت كل ما كان يقال ممن أحببت ، أظنها براءة ملعونة ، ظننته مثاليا يخلو من العيوب ، كان يُظهر لي نفسه فارس أحلام كل فتاة … لقد كان حب المراهقة الأولى الذي لم اتخلص منه والتصق بي مثل التصاق اللعنة بالمسيحيين ، وها أنا في العقد الثالت من العشرينات ولا أزال بمكاني ، لا أعلم كيف أغادره يا طبيبي …. !!

لقد ساد نوع من الصمت المريب بيننا ، بينما كانت دموعي تنهمر وانا عاجزة أمام كبتها .

– كيف انتهت القصة بينكما إذن ؟
لا أعلم كيف انتهت ، لقد انتهيت قبلها …
لا أنكر انه أحبني أيضا ، لكنه لم يكن حبا أفلاطونيا صادقا ، حبه … كان يسوده الغمام والسواد ، لا يظهر منه سوى بصيص خفيف ثم ما يلبث يختفي …
كنت أسأل نفسي باستمرار … هل يحبني ؟؟ أم يحب نفسه فقط ؟ لقد كان حبه مرضيا ، شخصيته نرجسية نيكروفيلية ، لا يرى بي سوى الجانب المظلم ، لم يفرح لفرحي يوما ، كان دائما ما ينظر للحياة من الجانب السلبي ، في أي خطوة أخطوها وفي أي نجاح أحققه وفي أي شيء اود فعله …. كان يرى ما هو سوداوي سلبي تشاؤمي ، حتى ان لم يكن هذا الجانب يجعله كائنا ، أقسم بأن لديه قدرات هائلة في فعل هذا وفي جعلي أشتم نفسي وأشتمه وألعن العالم والوجود ومن جعلني موجودة به .. وأستغفر الله لي ولكم على قولي هذا يا دكتور .
لقد كانت تتراكم علي الأحداث ، لا يخلو يومنا من المشاكل ، لا يمكن أن يمر اليوم دون أن يذكرني بمرضه الذي لا يعترف به …. لم أكن أخبر أحداً بما أمر به ، حتى صديقتي المقربة . كنت أخبرها ببعض المشاكل لكنها لم تكن تهتم لامري ، تخبرني بايجاد حل لنفسي وبعض الكلمات التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، لقد أخبرتني يوما بصريح العبارة ( لا تأتي وتخبريني مشاكلك مع فلان، لقد سئمتكم )…. فلم يكن لدي سوى نفسي ، الكثير من الصديقات ، لكن لا توجد منهن من استطيع أن أحكي لها ما يخالجني … أعتذر يا دكتور ، أظن أن كلماتي انتهت .
يتبع….

رقية أرهاب

حاصلة على شهادة الاجازة في الفلسفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.