عاشوراء والماء

عاشوراء من أيام الله تعالى المباركة فهي مناسبة للتعبد والصيام ، لكنها أيضا كانت فيما مضى فرصة للتراشق بالمياه وهي من العادات القديمة التي ترافق أيام عاشوراء رغم خفوت بريقها في السنوات الأخيرة بشكل كبير ، حيث كانت مناسبة لا يفوتها الشباب بكل حماسه وعنفوانه لممارسة هذا الطقس الجميل والممتع . ولعل مصدر هذه العادة وتاريخها يعود الى عقود غابرة ، فلكل شعب طقوسه الراسخة في عقله الجمعي ، وعاشوراء تجمع بين ما هو ديني وما يدخل ضمن عادات الشعوب وتقاليدها ، ورش الماء يرجع إلى عدة معتقدات لطوائف دينية مختلفة تصب في اتجاه أن الماء يرمز الى الاغتسال والبركة وطلبا لسنة مليئة بالأمطار والخير .
في قرى الجنوب الشرقي المغربي ، أو على سبيل التحديد في منطقة طاطا والنواحي ، يمارس الشباب هذه العادة طيلة أسبوع عاشوراء ، حيث تكون المهمة هي رش كل فتاة تظهر في زقاق القرية بالماء ، لا يفوتون تلك الفرصة حيث يكونون مسلحين بـأكياس بلاستيكية مملوءة بالماء ومغلقة بإحكام ،  فقط يرمون بها الضحايا على بعد أمتار فتنفجر فوق رؤوسهن ، أو باستعمال أواني بلاستيكية خفيفة الوزن وسهلة الاستعمال ، أحيانا تنفلت الأمور وتصل إلى حد الشجار ؛ ففي طريقك للبحث عن الفتيات اللائي سترشهن بالماء حيث يختفين طيلة ذلك الأسبوع ، فإن كان حظك سيئ ذلك اليوم وأصابتك «لعنة عاشوراء» وقابلت إحداهن من اللائي لا يحبذن هذا الاحتفال وهذا النوع من المرح و لا يعرفن للمزاح طريقا ولا للبهجة سبيلا ، وحاولت رشها ، فحتما ستنال نصيبك من العصا لأن يديها ستكونان متعطشتان للضرب انتقاما منك لما فعلته خاصة إن كانت أكبر منك سنا ، فلا يحق لك العبث معها ، ثانيا لأنها تعتبرك طائشا وجب تأديبك بغير القليل من العصا لترجع إلى صوابك .
الشباب هدفهم التسلية والاحتفال فقط ، حتى وإن كان الأمر يتعلق بتبذير الماء خلال ذلك الأسبوع المبارك ، إلا أنه بعد ذلك تعود الأمور إلى مجراها العادي والقرية إلى هدوئها الطبيعي .
والجدير بالذكر أن النساء المتزوجات لا يشملهن هذا التقليد ، طبعا سبق لهن أن مررن من هذه الأجواء في فترة شبابهن .
للتزود بالمياه ، كانت السقايات منتشرة في كل أرجاء البلدة بمعدل سقاية في كل حي ، تم إنشاؤُها في إطار مشروع تزويد الساكنة بالماء الشروب أو تقريبه من المنازل بعدما كان التزود به يحتم على النسوة التوجه إلى منابع الماء وملء «البيدو (1) » و «تﮕدورت (2) » وحملها على ظهورهن ، الآن تم إيصال المنازل بالمياه الصالحة للشرب واختفت من السقايات وأصبحت بنايات مهددة بالانهيار والزوال .
إحدى هذه السقايات كانت تحرسها عجوز في أيام عاشوراء ، تجلس على بعد أمتار منها ، لأن الأطفال كانوا يملؤون القنينات والأكياس البلاستيكية استعدادا لبدء الاحتفال والبحث عن ضحية ما ، فكانت تلك السيدة الفاضلة حريصة على عدم تبذير المياه وضياعه ، رغم أنه في تلك الفترة لم يكن مشكل شح المياه مطروحا بالحدة التي يعيشها المغرب في هذه السنوات بسبب الجفاف وقلة الأمطار ؛ فكانت كلما لمحت جماعة من الأطفال يهمون بفتح الصنبور استعدادا للتزود بالماء إلا وسارعت في اتجاههم صارخة في وجوههم ومحاولة الإمساك بهم ، ورشقهم بالحجارة فيتراكضون مطلقين سيقانهم للريح كعفاريت فرت من عقالها .
طبعا تلك العجوز- رحمها الله وأحسن إليها- كانت ذات خلق حسن ونيتها لم تكن إيذائهم وتعاملها هذا نابع من حرصها على عدم تبذير المياه ، لكن الأطفال لا يعرفون ذلك ، إنه أسبوع عاشوراء فحي على الترفيه والمرح حتى لو كان بمادة أساسية وحيوية كالماء ولو تطلب الأمر خوض معارك في سبيلها المهم هو اللعب ولا شيء غير ذلك .
كلما تقدم الإنسان في السن كلما عرف قيمة الأشياء وحقيقتها ، فنظرة العجوز والشيخ غير نظرة الشاب الطائش اللامبالي في الغالب الأعم إلا الفئة القليلة جدا . فمبدأ تدبير الندرة حاضر في أذهان كبار السن ، فهم عاصروا سنوات الجفاف والقحط وقلة ذات اليد ، فتعلموا كيفية المحافظة على المواد الأساسية حتى ولو كانت قليلة جدا ، لذلك ترسخت فيهم هذه الثقافة خاصة الحفاظ على الماء ، حتى ولو كان متوفرا بكثرة .

الآن انقرضت تلك العادة الجميلة أو أوشكت على ذلك ، فكلما تقدم الإنسان دفع ضريبة تخليه ونسيانه بطريقة أو بأخرى لعاداته ، تقاليده وموروثه الثقافي ، فيظهر لنا إنسان شبه فارغ بلا هوية ولا تاريخ .

(1) بيدو : يستعمل بيدو بلاستيكي من حجم 5 لترات لجلب الماء من منبعه .
(2) جرة : تكون مصنوعة من الخزف أو النحاس .

إسماعيل خيرالدين

أشتغل بمؤسسة للمجتمع المدني، مهتم بالتصوير الفوتوغرافي و صناعة الفيلم الوثائقي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.