موعد على الساعة الخامسة

قصة قصيرة

وقف أمام ذلك الدرب الذي شهد تاريخ حبهما وذكرياتهما، فلم يجد إلا أطلالا زائلة ومتهالكة، وبقايا عمر رحلت نحو المجهول. ذكريات الأمس لاذعة، بعد حب اندفن بين سراب الخيانة ونزح إلى العالم الآخر، حلقت هذه الذكريات بعدما انتقل الزير إلى الرفيق الأعلى.

كان الزير ثلاثينيا أسمر البشرة، ذا شعر أسود ناعم، عيون خضراء عسلية، مفتول العضلات. هو خريج المعهد العالي للفنون الجميلة، دائما ما تجده يرافق “صامويل”، وهو صديقه المقرب، صحافي تعيس خامل منعزل عن الناس، لا قدرة له على أداء وظائفه الاجتماعية.

الزير وصامويل، رجلان جمع بينهما الزمن برباط عجيب، لكن هذا الرباط سينفك بعد تعرف الزير على “رين”.
كانت رين فتاة جميلة جمالا لم تقع العين على شبيه له في أي مكان، معتدلة القوام لا نقص فيها ولا زيادة، وكان شعرها مثل أسلاك من ذهب ينسدل فوق كتفيها حتى يبلغ حزامها.

صادف الزير رين بمعرض جماعي للفنون التشكيلية في البندقية، ومنذ ذلك الحين ظل كل طرف يلازم الآخر كظله. كانت رين حينها تقضي أيام عطلتها، فقد كانت تدرس القضاء بفرنسا، فأخذت تستمتع بمواعيدها رفقة الزير الذي نسي صديقه صامويل الذي كان غارقا في نهر الكآبة والشجن، ويغوص في نهر الحرقة والحزن، كان يتساءل: “مدهي سعد عليه ما دهاه، ما دهاه أو ما دهاني؟ “.

كان للصديقين المدهيين موعد على الساعة الخامسة، فقد اتفقا سابقا أن يقوما بجولة على أحد القوارب في مدينة البندقية، تجهز صامويل واتجه إلى القارب، وجلس يتأمل مدينة العشاق.

مرت ربع ساعة.. نصف ساعة.. ساعة ونصف، صامويل مازال ينتظر، والزير لم يأت بعد، وبينما هو جالس منتظر مستمتع، صنع لنفسه فسحة من النور، واستنشق من عبق الذكريات.

– هل تذكر رحلتنا إلى برشلونة السنة الفارطة؟
– وكيف لي أن أنسى؟ كدت تذهب بنا إلى السجن.
– لقد كان مجرد خطأ بسيط.
– نعم إنه شديد البساطة، كاد تمثال “كرويف” يتحطم لولا تدخل “خوان” البدين، ومازال صامويل يقول إنه خطأ بسيط.
– نشرت صحيفة مؤخرا أن التمثال قد بيع، ما رأيك في إعادة الزيارة؟
– كلا، أفكر في زيارة متحف ريال مدريد، تدبر أمرك واحصل على موعد وقم بلقاء صحفي مع “فلورينتينو” حتى نتمكن من زيارة النادي.
– سأفكر في الأمر.

هب نسيم عليل، أيقظ صامويل من شروده، فأدرك أخيرا أن الزير لن يأتي، رفع بصره إلى الأعلى، فإذا به يرمق ظلين يتحركان في جسر التنهدات، إنه جسد على مقاس جسد الزير، كلا، إنه الزير نفسه، يعبر الجسر ممسكا يدي حبيبته رين، في مشهد رومانسي لن ترى مثله إلا في هوليوود. حرك صامويل رأسه يمينا وشمالا، ثم غادر المكان متحسرا.

انتهت عطلة رين وارتدت إلى ديارها على أن تعود بعد شهر، وعاد الزير لصامويل، وعادت المياه إلى مجاريها.
مضى الشهر على الزير كالسنة، وعسعس على صامويل في دقيقة، وها قد اقترب موعد إقبال رين، حيث أخبر الزير صديقه أنها ستحل غدا بمنزلها.

تفكر صامويل وتدبر، وقرر في المستقر بعدما أمل النظر، أن يتصرف ولا يترك صديقه لرين، فأخذ يسطر مقالا صحفيا اعتزم نشره في جريدته: “مقتل تسعة وثلاثين شخصا بينهم شابة أفادت وثائقها أنها فرنسية تحمل اسم “رين بوفاري” إثر تحطم طائرة ركاب فرنسية قادمة من باريس إلى مطار ماركو بولو بالبندقية…”.

أذاع صامويل إلى الخبر، وها هو الزير في المقهى يرشف قهوته الصباحية المعتادة. وهو يتفحص جريدته كعادته، ألهبه سطر بسطور ألهبت نارا في دواخله. لسانه تلجم عن أي تفسير أو تأويل لسوء ما اطلعت عليه عيناه. خرج من المقهى يسابق الطريق، كانت الدموع تختزل مشاعره الهائجة التي تلوح به في كل الأماكن الشاهقة التي كان يمر بها. أخذه عقله الشاعر إلى جسر التنهدات، كان يأمل أن يجدها هناك، لكنها لم تصل بعد، فتأكد من وفاتها، كانت كلماتها التي تدغدغ أذنيه تمنحه سعادة تزلزل كيانه، لكنه لم يجدها ليعطيها طاقة البقاء.

ساقه عقله فوق جدار الجسر فصاح: “كان من الممكن أن أمنحك العمر كله، وأن أدعي بكل سذاجة أننا سنقضيه معا، كان من الممكن أن نمضي في الأيام ونقطفها من شجرها الحياة ثمرة ثمرة، كان من الممكن أن أضع بين قدميك الطريق كله، لكنك اخترت السفر إلى السماء.. قلت ذات مرة بيني وبين نفسي أنني إذا ما خسرت رين يوما، سأعيش بعدها ساعة واحدة فقط، لأكتب على شرفها قصيدة حزينة، ثم سأرحل عن هذه الدنيا راكبا قارب الحب.. لن أعيش الساعة، ولا أستطيع كتابة القصيدة، لا أريد الآن سوى الذهاب إلى القعر”.

لم يتمالك نفسه وارتمى نحو الأسفل…هكذا رحل الزير إلى العالم العلوي وترك صامويل وحيدا، صامويل الذي كان يطمح لاسترجاع صديقه، أصبح كل مغرب يزور جسر التنهدات، يسترجع ذكريات شبابه مع صديقه بعض مضي عشرين سنة على الفراق.

موعد على الساعة الخامسة

زهير الخفيف

طالب شعبة اللغة العربية وآدابها.

‫3 تعليقات

  1. قصة شيفة حيكت بكل اناقة. الاشتغال علي بناء الشخصية كان ناجحا في رسم دواخلها و انفعالاتها و تفاعلاتها.
    مسيرة موفقة لك الاستاذ زهير و طريق سالك الي عالم مغامرة رحلة الكتابة… بالتوفيق و السداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.