كبير “العائلة” التي تزعمت المغرب وغزت إفريقيا

من يكون الناخب الوطني الجديد وليد الركراكي؟

“تتكلمون كثيرا عن الأداء، الأداء ثم الأداء، هذه الكلمة أسمعها فقط في المغرب، كرة القدم اليوم هي الفعالية”، كان هذا التصريح العفوي للمدرب وليد الركراكي، ضد انتقاد بعض الصحفيين طيلة الموسم لأداء الوداد الهزيل، حسب وصفهم، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت المباراة النهائية التي عرفت تتويجه بلقب دوري أبطال إفريقيا رفقة الوداد الرياضي ضد الأهلي المصري، تتويج بأغلى الكؤوس القارية لم يكن يتوقعه أشد المتفائلين بالنظر للتشكيلة المحدودة للنادي الأحمر والتي فازت بلقب آخر وهو لقب البطولة الاحترافية محققة ثنائية تاريخية للنادي.

فمن يكون وليد الركراكي صانع هذه الملحمة التي قادته ليكون ربان سفينة الأسود الجديد؟.

المنشأ بفرنسا واحتراف كرة القدم

رأى وليد النور بمدينة كوربي إيسون الفرنسية يوم 23 شتنبر منتصف سبعينيات القرن الماضي من أبوين ينحدران من شمال المغرب وهاجرا صوب فرنسا من أجل لقمة العيش، وعلى خطى باقي أقرانه وجد الطفل والمراهق وليد في كرة القدم الشغف فجعلها لعبته المفضلة وكان من ضمن أكثر الأطفال المتنبَّأ لهم بمستقبل كروي زاهر، فبدأ في تعلم أبجديات اللعبة ضمن فريق مدينته المحلي.

دشن وليد أولى خطواته كمحترف في عالم كرة القدم مع نادي راسينغ باريس الفرنسي في سنة 1998 لتليها عدة تجارب أخرى، فانضم إلى نادي تولوز ثم أجاكسيو وكان من أبرز المدافعين في الدوري الفرنسي مما جعل منه لاعبا مطلوبا للإحتراف الخارجي.

كانت محطة راسينغ سانتاندير بوابة وليد لمعانقة حلم الاحتراف بالليغا الإسبانية حيث يمارس أبرز عمالقة كرة القدم، الذين كان يواجههم كل أسبوع مثل الكاميروني صامويل إيتو مهاجم برشلونة و الإنجليزي ديفيد بيكهام والبرازيلي رونالدو لاعبي ريال مدريد، مما أتاح له فرصة التألق وممارسة كرة القدم في أعلى مستوى من الاحتراف.

عاد وليد لفرنسا في عام 2007 موقعا مع نادي ديجون ثم غرونوبل ليخوض بعدهما تجربة قصيرة بالبطولة المغربية رفقة نادي المغرب أتلتيك تطوان ليقرر بعدها وضع حد لمسيرته كلاعب سنة 2010 رفقة نادي فلوري ميروجي الفرنسي.

من الندوة الصحفية التي تم فيها تقديم وليد الركراكي كمدرب للمنتخب المغربي

وليد والمسيرة الدولية رفقة أسود الأطلس

اكتشف الجمهور المغربي اللاعب الشاب وليد الركراكي أول مرة سنة 2001 في عهد المدرب البرتغالي هومبيرتو كويليو الذي وجد له مكانة أساسية في تشكيلة الأسود كمدافع لا محيد عنه إلى حين اعتزاله اللعب الدولي.
كان وليد على موعد مع التألق رفقة مجموعة من اللاعبين الشباب اللذين شكلو العمود الفقري لجيل لازال يضرب به المثل إلى يومنا هذا، وهو جيل المنتخب الوطني الذي خاض كأس إفريقيا بتونس سنة 2004 بقيادة المدرب بادو الزاكي، ووصل لمباراتها النهائية محرزا لقب الوصافة، وكان وليد من أبرز المتألقين في تلك الدورة، واستمر وليد في تبليل القميص الوطني بتفان وقتالية إلى حدود اعتزاله اللعب دوليا سنة 2007.

أولى المحطات التدريبية

قرر وليد الركراكي نقل تجاربه الرياضية من مستوى الممارس إلى مستوى المؤطر، فدشن ولوجه لعالم التدريب من بوابة المنتخب الوطني المغربي، مرتديا قبعة مساعد الناخب الوطني رشيد الطاوسي في فترة تولي الأخير مهمة قيادة الأسود سنة 2012، لكن التجربة كانت قصيرة، فوليد العاشق لدور البطولة سرعان ما تقمص دور المسؤول الأول عن مستودع الملابس، فتعاقد مع نادي الفتح الرباطي كأول تجربة إحترافية له في مساره التدريبي واستطاع بتركيبة شابة مقارعة كبار القوى التقليدية للبطولة الإحترافية المغربية كالوداد والرجاء الرياضيين، فتمكن من الفوز بلقب كأس العرش موسم 2014 ثم لقب البطولة الاحترافية موسم 2016 بعد منافسة شرسة مع الوداد، ثم التأهل لنصف نهائي كأس الإتحاد الإفريقي.

استمرت تجربة الركراكي مع الفتح 6 سنوات تميزت بمنحه الفرصة للمواهب الشابة من أجل إبراز إمكانياتها رفقة الفريق فكان يُضرب به المثل في ما يخص الاهتمام بالمواهب الشابة وأبناء النادي.
وبعد مسار متميز مع نادي الفتح، خاض وليد تجربة تدريبية هي الأولى من نوعها في مساره التدريبي خارج المغرب، فتسلم مفاتيح قيادة نادي الدحيل القطري الذي كان يضم في صفوفه أسماء محترفة من المستوى العالمي على شاكلة المدافع المغربي مهدي بنعطية والتونسي يوسف المساكني، وتمكن وليد من كسب التحدي الجديد وقيادة فريقه إلى بر الأمان متوجا معه بلقب دوري نجوم قطر.

النادي الأكثر تتويجا بالمغرب، وأول تحد حقيقي

في فترة توليه قيادة سفينة الفتح الرباطي، كان وليد يعبر في كل ندوة صحفية تعقب نهاية المباريات عن أمله في أن يكون للفتح جمهور يوازي ما هو متوفر من جماهير لقطبي العاصمة الاقتصادية الوداد والرجاء، تلك الجماهير المجنونة التي تدفع لاعبي فرقها إلى الأمام،

ولم يكن غريبا أن تلك الجماهير البيضاوية كانت تبادل وليد نفس الإعجاب وكانت ترى فيه مشروع المدرب الطموح والشغوف بعمله، والذي سيصنع الأفراح والمسرات مع ناديها.

ظلت جماهير الوداد تطالب رئيس فريقها سعيد الناصيري بتسمية وليد الركراكي مدربا للفريق ولم يتحقق ذلك سوى في سنة 2021 مع رحيل التونسي فوزي البنزرتي ونهاية تجربة وليد مع الدحيل القطري، فكانت التجربة الجديدة لوليد هي أولى التجارب الحقيقية في مسيرته التدريبية بتدريبه لفريق لايرضى وجمهوره سوى بالألقاب.

استهل وليد مشواره مع نادي الوداد الرياضي بالتتويج ببطولة النتيفي الودية، ثم تلتها انتصارات متتالية بالبطولة الاحترافية خولت للفريق احتلال الصدارة إلى آخر دورة حيث حسم التتويج لصالحه مضيفا لقبا آخر في الموسم إلى جانب لقب دوري أبطال إفريقيا، ثنائية تاريخية لن ينساها جمهور النادي.

غياب فكرة نجم الفريق وحضور ثقافة “العائلة”

من الوصفات التي قادت وليد لصناعة التاريخ والتتويج بثنائية البطولة ودوري أبطال إفريقيا، منحه الفرصة لجميع لاعبي الوداد دون استثناء، متغلبا بذلك على ضعف التركيبة البشرية للفريق الناتجة عن عدم القيام بانتدابات وازنة في الصيف، باستثناء استعارة مبينزا، ثم عقوبة المنع من الانتدابات في فترة الانتقالات الشتوية من طرف الفيفا بسبب عدم تسديد مستحقات بعض اللاعبين السابقين، فكانت الوصفة السحرية لوليد التي انطلق منها من مفهوم العائلة الواحدة ذات الجسد الواحد، فكان وليد بمثابة الأخ الكبير الذي لا يبخل عن إخوته الصغار بالتحفيز والتشجيع من أجل إخراج أفضل ما لديهم من إمكانيات، ويتجلى ذلك في استرجاع بعض اللاعبين لمستواهم بعدما كانو في عداد المغضوب عليهم، وعلى رأسهم زهير المترجي الذي سجل هدفين قاد بهما الوداد للتتويج في نهائي دوري أبطال إفريقيا على نادي الأهلي المصري في المقابلة التي جرت في ملعب “دونور” الذي طالما أثار إعجاب وليد الركراكي بحماسية أجواءه، ثقافة العائلة التي ابتدعها وليد كانت مصدر إلهام لمجموعة “وينرز” التي رفعت تيفو يتضمن نفس العبارة، في إشارة إلى أن مفهوم العائلة لا يشمل اللاعبين والمدرب فقط، بل يمتد ليشمل الجمهور أيضا.

من إحدى الحصص التدريبيو لفريق الوداد البيضاوي بقيادة الناخب الوطني وليد الركراكي

تصريحات وليد..الماركة المسجلة بإسمه

“أمنيتي هي أن أسمع كلمة (سير…سير) التي يرددها جمهور الوداد، إنها تعجبني جدا وتجعلني أرغب غي دخول الملعب للمشاركة في المباراة”، إنه تصريح وليد عندما كان مدربا للفتح، و هو جزء من تصريحات عديدة بأساليب عفوية يشتهر بها لدرجة أنها أصبحت نوادر وماركة مسجلة بإسمه، ومن ضمن أبرز تصريحاته الشهيرة تلك التي أدلى بها في إحدى المواسم والتي مفادها أن جميع الفرق ستبكي في نهاية الموسم لأن الوداد سيتوج بالبطولة، وفي معرض سؤاله عن أداء الوداد الذي لا يرقى لتطلعات جماهيره صرح قائلا “نعم أداؤنا هزيل، نحن نفوز بالبركة لا غير، نحن فريق ضعيف ويقف الحظ إلى جانبنا”، وقال جوابا على سؤال يتعلق بالفريق الذي سيفوز بالبطولة في الموسم الأخير “أظن أن الرجاء هو من سيفوز باللقب لأنه قام بعدة انتدابات وسيكون المركز الثاني إنجازا كبيرا بالنسبة لنا”.

تلعب الأسئلة اللامنطقية لبعض الصحافيين دورها المهم في جر وليد إلى تلك التصريحات المثيرة للجدل، ولعل أبرز مثال على ذلك جوابه باستغراب عن سؤال أحدهم حول انقطاع الكهرباء في ملعب بركان أثناء مباراة النهضة المحلية والوداد، الذي يُحمّل بطريقة غير مباشرة مسؤولية انقطاع الكهرباء للوداد، “هل نحن نعمل في شركة الكهرباء؟”، وكنوع من الإستهزاء من بعض الأسئلة، يختم تصريحاته بالعبارة التي أصبحت شعارا لدى الوداديين “كاينة عندك الصح”.

عرين الأسود والمونديال… المكافأة الجميلة

توج مسار وليد التدريبي المتميز وموسمه الكبير رفقة الوداد، بتعيينه من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، قائدا لأسود الأطلس خلفا للمقال من منصبه البوسني وحيد خاليلوزيتش، بعدما بدأ الحديث عن هذا التعيين بقوة بعد تتويجه رفقة الوداد بلقب دوري أبطال إفريقيا.

بهذا التعيين يعود وليد لعرين الأسود مدربا بعدما غادره لاعبا قبل سنوات، وبعدما لم يكتب له المشاركة في المونديال وهو لاعب، سيبدأ مهمة تشكيل أفراد “العائلة” الجديدة التي سيدربها في مونديال قطر نونبر القادم، في عقد يمتد حتى عام 2026.

كبير “العائلة” التي تزعمت المغرب وغزت إفريقيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.