موضة العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج.. وسؤال المشروعية!

مما يُلاحَظ في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أن الإناث يُتوقَّع منهنَّ اجتماعيا، ويفترض فيهن عُرفيّا أن يكنَّ عفيفات أكثر بكثير بالمقارنة مع الذكور.
على عكس المعطى الديني والأخلاقي الذي لا يفرق البتة بين الجنسين على هذا الأساس؛ فكلا الطرفين مطلوب منهما دينيّاً وأخلاقيا الترفع عن أي توظيف للغريزة الجنسية بمختلف تجلياتها العاطفية والكلامية والسلوكية، وشتى أبعادها السرية والعلنية والصريحة والإيحائية في غير ما يرضي الخالقَ سبحانه، وهو باختصار كل ما كان خارجا عن إطار الزواج جملة وتفصيلا.

وأما النموذج الحداثي فهو لا يعترف نهائيا بمفهوم العفة لا في جانب الإناث ولا في جانب الذكور، بل يسير في اتجاه شرعنة العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج ويعتبرها حقا طبيعيا لا ينبغي أن يحرم منه أي إنسان، فقط ينبغي أن تكون بإراداة ورضى الطرفين، بالإضافة إلى أنها خطوة ضرورية لاختيار شريك الحياة المناسب، ووسيلة ناجعة لتحقيق زواج حداثي وحضاري، إذ لا يتدخل في اختيار أحد الشريكين أي طرف ثالث.

فكما يبدو إذن أن مجتمعنا العربي الحديث ذو طبيعة تنوعية تعددية، عبارة عن خليط بين النموذج التقليدي الذي يتغذى على تراث السابقين، والنموذج الديني الذي يستند إلى الوحي الإلهي المنزل في كتاب الله وسنة رسوله “ص”. بفهم العلماء المتخصصين الرسميين في البلاد، والنموذج الحداثي الذي يشرب من معين تجربة الحضارة الغربية، على تنوع مرجعياتها وتعدد فلسفاتها.

فما موقف كل من النماذج الثلاث من مشروعية العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج؟ وما الأسس والمرجعيات التي يستند عليها كل موقف؟ وهل من حق الشريكين البحث في ماضي بعضهما البعض أثناء التعارف لأجل الاطلاع على نوع العلاقة التي كانت في الماضي تربطهما بالجنس المخالف؟

1 النموذج التقليدي: من بين أهم المفارقات الاجتماعية في هذا النموذج، نجد أن الشاب العربي مهما خاض تجارب عاطفية وجنسية قبل الزواج فإن ذلك لا يُحدِث أي أثر سلبي على سمعته الاجتماعية، ولا يبخس شيئا من قيمته كرجل بالمعيار الاجتماعي التقليدي الموروث، وبالتالي لا يكون لذلك أي تأثير سلبي على قرار شريكة حياته المستقبلية في قبوله كزوج لها، لأن ما يهمها منه فقط هو وفاؤه وإخلاصه لها أثناء علاقتهما الزوجية، أما قبل ذلك فهي لا تكترث به نهائيا ولا يعنيها في شيء، نعم قد ترفض عَرضه لأسباب أخرى كثيرة لا ترتبط نهائيا بهذا السبب.

في حين أن ماضي الفتاة يشكل قضية مصيرية في قيمتها وكرامتها وسمعتها الاجتماعية، وبالتالي في قرار اختيارها كزوجة بالنسبة لشريك حياتها المستقبلي، لدرجة أن هذا الأخير بمجرد أن يعلم بعلاقاتها العاطفية والجنسية الماضية فإنه يشعر بانقباض النفس تجاهها، وربما اعتبرها ساقطة لا ترقى لتكون زوجة له ولا أما لأولاده، ومن ثم قد يتراجع عن مشروع الزواج معها في أسرع وقت ممكن، وإذا لم يعلم بالخبر حتى بعد الزواج فربما تدهورت علاقتهما تدريجيا وقد يصل بهما الأمر إلى حد الفراق.
أما إن وجدها فاقدة لعذريتها وتبين له أن سبب ذلك ممارسة جنسية سابقة، فهو لن يتردد للحظة في تطليقها ولو كلفه ذلك مالا وجهدا كبيرين. بسبب موقف القانون الوضعي المعاصر الذي لا يعتبر فقد العذرية عيبا من العيوب، التي يفسخ لأجلها عقد الزواج، على عكس القانون العرفي القديم الذي كان يعدها عيبا فظيعا، حيث قال في تلخيصه أحدهم:

والزوج حيث لم يجدها بكرا
لم يردها إلا باشتارط عذرا
ما لم يزل عذريتها نكاح
فالرد حينها يكون مستباح

لا شك أن سبب هذه الصرامة في موقف الشاب العربي، تجاه ماضي شريكة حياته المستقبلية راجع إلى اعتقاده الجازم بعدم مشروعية العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج بالنسبة للأنثى. فأول ما يتبادر لذهنه عند معرفة تجاربها الماضية تلك، هو كونها فعلت ذلك بدافع ملء الفراغ العاطفي على تعدد مراتبه، أو بسبب الإغراء المادي على اختلاف أشكاله، أو بدافع المتعة الجنسية على تنوع مستوياتها، أو بدافع التسلية على تعدد وسائلها، وطبعا فإن كل ذلك -لا ريب- يبخس من قيمتها كأنثى ويطعن في كرامتها كزوجة مستقبلية يتوقع منها اجتماعيا أن تكون جوهرة مصونة لم يسبق لها أن ركنت لمغازلة أحد، أو تركت له الفرصة ليجاملها فضلا عن أن تُمكِّنه من لمسها أو أن تبادر هي لمعاكسته.

وحتى لو توقع وجود نيتها الحسنة في تجاربها تلك، على اعتبار أنها كانت بدافع اختيار الشريك المناسب والتعرف عليه عن قرب. فإن ذلك لا يعتبره مبررا مقبولا، لأنه ليس هنالك أي ضمانة قائمة على حسن نية الطرف الثاني في العلاقة، خاصة أنه يلاحظ في وسطه الذكوري كيف أن غالبية تجارب أبناء جنسه من أصدقائه ومعارفه تكون مقصودة لذاتها لا لغيرها، أي أن لها أهدافا عاطفية وجنسية مباشرة، فأكثر العلاقات الماضية في السياق الذكوري لا تشكل وسيلة من وسائل الزواج بقدر ما تشكل إحدى بدائله المؤقتة، وسبب ذلك أن قرار الزواج مرهون عند الشاب العربي بصفته المبادر لتأسيس مؤسسة الأسرة بتحقيق الكفاءة الاقتصادية اللازمة، فهو لا يمكن أن يفكر جديا في موضوع الزواج إلا بعد التأهيل المادي الكافي.

وفرضا أنه تثبَّت من حسن نية عشيقها السابق، فهو لن يستطيع استساغة تلك العلاقة ولا تقبلها بوجه من الوجوه، خصوصا إذا نالت شهرة وانتشارا واسعين بين أقرانه وأفراد حيه وجماعته، فقد يفضل حينها الزواج من مخطوبة سابقا أو مطلقة أو أرملة عاشت تجربة مشروعة-دينيا وأخلاقيا- لم يُكتَب لها الاستمرار في الوجود، على أن يتزوج من فتاة عاشت تجارب عاطفية وجنسية غير مشروعة تطعن في شرفها وكرامتها وسمعتها الاجتماعية، لذلك فجل الفتيات المنخرطات في هذه العلاقات اللامشروعة-اجتماعيا- غالبا ما يحرصن أشد الحرص على أن يمارسنها في سرية تامة، فإن نجحت العلاقة وتُوِّجت في آخرها بالزواج فستفتخر حينها بقصتها الغرامية أمام صديقاتها ومعارفها، وإن هي فشلت فستعتبرها كأن شيئا لم يكن، ثم تنتظر أو تبحث عن فارس أحلام جديد.

قد يستغرب البعض من هذا الموقف الصارم للشاب العربي تجاه ماضي شريكة حياته المستقبلية، لكن في نظري ما يثير الاستغراب أكثر هو أنه بنفسه -مع موقفه الصارم هذا- لا يتررد للحظة في الانضمام إلى هذا النوع من العلاقات عند وجود أول فرصة سانحة، وهو معتقد في خبايا نفسه أن كل من قبلت الدخول معه في علاقة عاطفية وجنسية قبل الزواج فهي لا تصلح للزواج، لأنها ما دامت قد قبلت عرضه إلا وقد قبلت عروضا أخرى سابقة، وما دامت قد خضعت لعواطفها ونزواتها معه إلا وقد قامت بذلك مع غيره من قبل، أو على الأقل لها القابلية اللازمة لتفعلها في الحاضر والمستقبل إن هي وجدت الفرصة الملائمة.

ومع كل هذا، هو يمني نفسه بالحصول على شريكة حياة لم يسبق لها أن عاشت أي تجربة ماضية، فاسمحلي ياصديقي أن أخبرك أن أبناء جنسك بدورهم يتصرفون بنفس المنطق الذي تتصرف به أنت، ويقيمون علاقات مع فتيات لأجل المتعة والتسلية فقط، ومن ضمنهن طبعا شريكة حياتك المستقبلية؟ فلماذا إذن هذه الازدواجية في شخصيتك؟ أهي نتيجة حرب بين مثلك وغرائزك؟ ألا يجدر بك أن تلوم نفسك أولا على انخراطك في تلك العلاقات قبل لوم شريكة حياتك؟ أليس من المنطق أن تختار إما اعتزال هذه العلاقات من أصلها كما تحلم بشريكة حياتك أن تكون أو أن تختار الانخراط فيها، لكن مع تقبل ماضي شريكة حياتك بكل ما فيه؟! فمن أين لك بمبدأ حلال علينا وحرام عليكن؟!

2 النموذج التديني: ينطلق أصحابه وكل المنتمين إليه من مرجعية دينية مسلَّمة، مفادها أنه يجب الامتناع الكلي عن أي علاقة عاطفية أو جنسية قبل الزواج سواء بالنسبة للذكور أو الإناث. لأن الطريق الوحيد الذي شرعه الله لممارسة السلوك العاطفي والجنسي هو الزواج، وكل من تجرأ واختار أن يخالف الدين بإقامة علاقات قبل الزواج، يجب عليه أن يتحمل مسؤولية اختياره دنيويا وأخرويا، لذلك مهم جدا بالنسبة لهم أن يبحث كلا الطرفين في ماضي بعضهما البعض لأجل معرفة نوعية العلاقة التي كانت تربطهما بالجنس المخالف والتعرف من خلال ذلك على مدى صلاح الشريك أو فساده، وهل هو ممن تقوده غرائزه ونزواته وعواطفه أو ممن يخضع لسلطان الدين والعقل والأخلاق.
وبإلقاء نظرة موجزة عن واقعنا المعاش، نلاحظ هناك فئة عريضة من الفتيان والفتيات ملتزمون فعلا بهذا المبدأ التديني ويطبقونه عن قناعة راسخة، ولا يؤمنون أصلا بمشروعية العلاقة قبل الزواج لا بصفتها وسيلة ولا غاية، غير أن طبيعة الحياة المعاصرة لا تسعفهم بشكل كبير في تبني هذا النموذج بسبب العزوبة الطويلة المدى التي فرضت عليهم اجتماعيا نتيجة تأخر سن الزواج، وبسبب الاحتكاك بين الجنسين في الفضاءين الدراسي والمهني ومختلف الفضاءات العامة، حيث أضحى من اللازم على كلا الجنسين التقرب من الآخر والتواصل معه عن قرب والتأنق أمامه بحسن الكلام والمظهر، وربط معه علاقة معرفة أو زمالة أو صداقة ولم لا علاقة إعجاب وحب ثم جنس؟!

3 النموذج الحداثي: كل من يتبنى هذا النموذج يؤمن جازما بمشروعية العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج سواء باعتبارها وسيلة للزواج أو غاية في حد ذاتها، ومن ثم من حق أي شخص أن يمارس حقه الطبيعي وحريته الشخصية بالشكل الذي يريد منذ البلوغ، وليس من المقبول نهائيا أن يبحث أحد الطرفين في ماضي الآخر عند التعارف أو يعاتبه عليه، لأنه لم تكن بينهما حينها أية علاقة قائمة، وإنما لهما الحق في ذلك ابتداء فقط من نشوء علاقة رسمية بينهما وتجمعهما رابطة الخطوبة أو المواعدة كما يسميها المجتمع الغربي.
وفي الأخير أرجو أن أكون قد وفقت في بيان موقف المجتمع العربي تجاه العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج على ما فيه من تعددية المآخذ والمشارب.

فإذا كان النموذج التقليدي يحرص على تفعيل معاني العفة في صف الإناث فقط ويتجاهل صف الذكور، فإن النموذج التديني يحرص على تفعيلها في كل من صف الإناث والذكور، على عكس النموذج الحداثي الذي لا يريد تفعيلها لا في صف الإناث ولا في صف الذكور. لأنها باختصار تقيِّد من الحرية الفردية التي تعتبر إحدى الركائز التي قامت عليها الحداثة.

مصطفى بن خجو

طالب باحث ف الدراسات الشرعية والسوسيولوجية، شغوف بالقراءة والتدوين، مهتم بالمجال الفكري والاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.