لماذا تخاف مجتمعاتنا من الفلسفة؟

لعبت الفلسفة ، منذ ظهورها ، دورا مهما في بناء الحضارة الإنسانية ، فقد حررت الفلسفةُ الإنسان من جموده وفتحت آفاقا واسعة أمامه ودفعته لخوض مغامرات معرفية منذ ظهورها الأول في اليونان إلى اليوم ؛ وعليه لقيت الفلسفة اهتماما خاصا باعتبارها محبة للحكمة وطريقة فريدة في التفكير والتأمل تقوم على التساؤل الدائم والشك المستمر .

ونستحضر هنا كلام إريك فايل (1904- 1972) حيث يقول: ” ليست الفلسفة انكشافا لسر ، ولا نبوءة تخبرنا بالخلاص المطلق ، بل هي على العكس من ذلك ، تضع القيم موضع سؤال ، وكذلك كل ما هو محبوب لدى البشر لمجرد أنه كان عزيزا على أسلافهم أو لأنه يغري بغرابته .

إن الفلسفة تفحص الأفكار الصلبة لأصحاب النظام المحافظين وكذلك أفكار الذين يحدثون الاضطراب ويكسرون قواعد عصرهم ، فكل يقين أخلاقي وجمالي واجتماعي إلا وتعترف به الفلسفة لتأخذه إلى محكمتها . ويمكن القول إن الفلسفة تناقض السذاجة فهي تسلك أكثر طرق الشك جذرية .” ومن خلال هذا التعليق القصير لهذا الفيلسوف الألماني يبدو جليا أن الفلسفة تسعى بكل جهدها إلى هدم الأفكار الجاهزة وفحص كل الأطروحات والتحقق من مدى متانتها .

وكما حظيت الفلسفة بالاهتمام والإقبال عليها ، فإنها حظيت من جانب آخر بنفور وخوف منها ، إذ تعرضت الفلسفة على مر تاريخها إلى مضايقات كثيرة ، سواء عبر منع تدريسها أو تحريمها ، أو عبر اضطهاد الفلاسفة والمشتغلين بها . ولعل محنة ابن رشد في تاريخنا الإسلامي واحدة من أبرز تلك المآسي التي تعرض لها الفلاسفة .

الشيء الذي دفعني إلى طرح سؤال الخوف والرهاب من الفلسفة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، هو في الحقيقة أمر عاينته على أرض الواقع ، إذ إن عددا كبيرا من الناس في مجتمعاتنا لديهم أحكام مسبقة عن الفلسفة تحكم نظرتهم إليها . وهذه الأحكام المسبقة والجاهزة غالبا ما تكون جائرة في حق الفلسفة ، لنأخذ مثلا على ذلك ، فبمجرد أن تذكر اسم الفلسفة في مجلس ما فإن أول ما يتبادر إلى أذهان الناس أفكار من قبيل: الإلحاد، الكفر، الزندقة، معاداة الدين…، بينما في الحقيقة الفلسفة أوسع وأرحب من أن تحصر نفسها في مناقشة أمور الدين فقط .

يجب أن ندرك أن الفلسفة تتناول مختلف الإشكالات التي يواجهها الإنسان في حياته ، سواء كانت تلك الإشكالات تتعلق بعلاقته بنفسه أو بعلاقته بغيره أو بالطبيعة المحيطة به ، أو كذلك بعلاقته بربه . وإذا علمنا بهذا ، عرفنا من ثمة أن الفلسفة تمتد يدها إلى أمور السياسة والعلم واللغة والتاريخ والفكر…، وليست محصورة في أمور الدين فقط.

إن الخوف من الفلسفة في مجتمعاتنا ليست ظاهرة توجد عند العامة والناس البسطاء فقط ، بل هي كذلك عند فئات لها نصيب من الثقافة والمعرفة ، وكمثال على ذلك طلاب الجامعات ، إذ إن كثيرا من طلاب الجامعات -خاصة الذين ينتمون إلى شُعب تفتقر إلى وحدات تعليمية ذات ارتباط بالفلسفة- لديهم تصور سيئ عن الفلسفة ، بل قد تصبح الفلسفة محط سخرية إذ يتم تعريفها بكونها ” كلاما فارغا بلا طائل وثرثرة لا تروم الاستقرار على حال”.

إن أسباب خوف مجتمعاتنا من الفلسفة كثيرة وليست سببا واحدا ، ولعل من أهم وأبرز تلك الأسباب التي تقف خلف هذا الرهاب ، تلك العلاقة المضطربة والمتقلبة التي قامت بين الفلسفة والإسلام ( ومع الأديان الأخرى كذلك طبعا ) ، حيث إن الفلسفة لم تكن عند الجميع ذلك العلم المرحب به ، بل كانت موضوع تحريم – بالإضافة إلى المنطق- عند كثير من العلماء .

وقد كان موقف ابن الصلاح( 577ه- 643ه) واحدا من أبرز هذه المواقف ، إذ يقول في كتابه ” الفتاوي“: ” الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان واستحوذ عليه الشيطان…” [ فتاوي ابن الصلاح]

بالإضافة إلى عدد من الأسباب الأخرى، كمنع تدريس الفلسفة من قبل الأنظمة السياسية الحاكمة أو التضييق عليها في المدارس والجامعات وتعديل مقرراتها وفق ما يخدم مصالح هذه الأنظمة .

في النهاية لم يكن هدفي من خلال هذه التدوينة أن آتي بجديد ، وإنما كان هدفي أن أطرح سؤالا يفرض نفسه بقوة ، وأن أحاول إثارة الانتباه إلى الكيفية التي توجد بها الفلسفة بيننا . إن مما لا شك فيه أن الفلسفة هي طريق من طرق بناء وبلوغ الحضارة ، وسبيل من سبل التقدم والرقي ، وأختم حديثي بفقرة للفيلسوف البريطاني بيرتراند راسل (1872- 1970) يتحدث فيها عن قيمة دراسة الفلسفة حيث يقول: ” لنلخص بإيجاز مناقشتنا لقيمة الفلسفة: إن الفلسفة لتستحق أن ندرسها ليس من أجل أن نبحث فيها عن أجوبة دقيقة للأسئلة التي تطرحها ، مادام أن الأجوبة الدقيقة لا يمكن المصادقة على مطابقتها للحقيقة، بل بالأحرى بسبب قيمة الأسئلة التي تطرحها. ذلك لأن هذه الأسئلة تقوم، في الواقع، بتوسيع تصورنا للممكن، وتثري خيالنا العقلي، وتقلل من ثقتنا الدوغمائية التي تغلق الفكر وتسد عليه منافذ كل تأمل. بفضل عظمة العالم الذي تتأمله الفلسفة وجلاله يكتسي فكرنا هو أيضا العظمة والجلال، ويصير قادرا على أن يتحد مع الكون ذلك الاتحاد الذي هو الخير الأسمى.” [ بيرتراند راسل/ مشكلات الفلسفة] .

محسن أولاد سي علي

أستاذ مادة اللغة العربية، حاصل على شهادة الإجازة في الدراسات العربية تخصص اللسانيات، وطالب باحث في سلك الماجستير التأويليات والدراسات اللسانية. مغربي الجنسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.