مدينة تبكي في صمت

عن واقع التسول والفقر بالمغرب عموما والعاصمة العلمية خصوصا

جلست عند نافذة غرفتي أشاهد أحوال الناس في صمت مسترسل يكاد يأخذني معه إلى عالمه المظلم وأنا في ذهني مجموعة من الأسئلة المترابطة التي تضعني في حيرة ليس لها أي حلول.

وإذ أنا في خضم ما أحسه وأعيشه داخليا، إذا بي أشاهد طفلة لم تتجاوز الحادية عشرة، بجسم نحيف يظهر مدى قساوة الحياة معها وثياب رثة متسخة تبين أنها لم تنظف منذ وقت طويل، وشعر متجعد متطاير على كتفيها الصغيرتين.

جميلة هي رغم حالها المزري ولها عينان كبيرتان بلون أزرق؛ ها هي تقترب من باب منزلنا وتصيح: مناديل … مناديل … مناديل… آه على حالتك يا صغيرة، ما قصتك؟ وما فعلته بك هذه الحياة القاسية؟ وأي ماض دفين داخلك وأنت في هذا العمر؟ ما حالتك اليوم وكيف سيكون غدك جميلتي؟
دونما شعور مني دمعت عيناي ووجدت نفسي أبكي على حال هاته البنت وأقرانها الكثر.. إنهم أبناء وطني الجريح، إنهم إخوتي أو بالأحرى أبنائي الذين لم أنجبهم بعد، وأي أبناء سأنجب داخل هذا البلد المتخبط في أوضاع متأزمة وغلاء في كل متطلبات الحياة.

عدت إلى داخل غرفتي بعد أن أغلقت النافذة لا لشيء إلا لهروبي من هول المنظر ومن واقع يؤلمني. أحكمت إغلاقها جيدا لكي لا أسمع صوتها الرنان داخل عقلي وخاطري. إنها حقيقتنا في كل مكان، في كل زقاق، في كل محطة قطار أو حافلة، إنها مرآتنا عند كل ممر راجلين أو إشارة مرور، إنها تجسد كلما يخصنا، هي ذاتنا بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة توضح حالنا بصراحة.

صورة تعبيرية

ها أنا أجدني عدت لأحمل قلمي من جديد وأحاور ورقتي البيضاء التائهة مني لأحكي لها ما يدور داخلي؛ ها أنا أخرج من صمتي لأبوح من جديد والفضل يعود لها. لم أستطع نسيان تلك الابتسامة البريئة المتأملة في يوم جديد، لم أستطع أن أنسى أني واحدة من هذا العالم، من هذا الوطن الجميل… أنا جزء من هذا العذاب ومن هذا الألم.

لم يعد التشرد عنوانا للمتسولين بل هو عنوان كل هارب من واقع صعب وفقر مذقع.

نعم ها أنا أكتب ألمي وألم كل مغربي حر يخرج كل يوم ويرى حال هذا البلد من شوارعه الممتلئة بالمتشردين والمتسولين؛ أطفال في عمر الزهور ضائعون على أرصفة مدن تحكي في صمت ما يقع داخلها.

واقع مزرٍ تعانيه مدينة فاس العتيقة.. آه يا شوراع فاس ماذا حل بك وبأهلك؟ ما إن تخرج لتحتسي فنجان قهوة أو تشتري خضرا من السوق أو فقط لتتمشى أو توقف سيارتك عند محطة البنزين أو عند إشارة المرور الا وأحاطت بك دوامة من المتسولين.

مدينة جميلة بتاريخها وحضارتها وموقعها الاستراتيجي الذي يميزها عن باقي مدن المملكة لكنها تعرف التهميش والإقصاء فأصبحت تعرف بمدينة المتقاعدين ومدينة البطالة بعدما كانت تعرف بمدينة العلم لأنها تضم أول وأقدم جامعة في العالم جامع القرويين وأنها مدينة سياحة لأنها تضم أفخم الرياضات العتيقة والمدارس التاريخية، كما أن مدينة فاس كانت رقما صعبا في مجال التجارة فهي ذات موقع متميز جغرافيا حيث تقع وسط المملكة المغربية. إضافة إلى أن فاس مهد الصناعة اليدوية التقليدية الجميلة…

فاس آه يا فاس لاتزالين رقما صعبا.. فرغم كل هذا الكلام أحس أني لا أزال لم أقل شيئا عن جمالك ولا عن تاريخك الضارب في الزمن. وإنه لمن المؤسف أن تصل مدينة كهذه لهذا الحال.

مدينة تبكي في صمت

سهام حجري

سهام حجري صحافية و كاتبة أشتغل في شركة انتاج و أكتب في العديد من المواقع الاكترونية داخل المغرب و خارجه كما احيطكم علما اني موجة اعلام و حاصلة على ماجستير تواصل ثقافي و اليوم ادرس سنة اولى دكتراه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.