خواطر

من دروس الحياة

لازلت أتذكر وجه تلك السيدة التي كانت تبيع المناديل الورقية في محطة القطار ، التقت بي وأنا نازل من سيارة الأجرة ، طلبت مني شراء بعض من تلك المناديل التي تحملها بكلتا يديها، في بادئ الأمر ولأني كنت مسرعا خشية أن يفوتني القطار الذي سيأخذني إلى وجهتي، أعطيتها ما كان معي من البقشيش الذي تبقى لي وأكملت طريقي مسرعا، فإذا بي أسمع نداء خافتا من ورائي : تعال يا بني، استدرت فوجدت تلك السيدة تمشي مسرعة الخطى نحوي، أقدمت وكلي فضول لمعرفة السبب الذي جعلها تناديني، خاطبتني بلهجة منكسرة تخبرك أن مشقات وضغوط الحياة قد نالت قسطا وافرا من صحتها:
يا بني إني لا آخذ مالا إلا بعرق جبيني، فهاك خذ ما أعطيتني مالا مناديلا.
اعتلت وجهي ابتسامة عريضة ثم سارعت بأخذ بعض من تلك المناديل وشكرتها ثم أكملت طريقي.
أدخلني تصرف تلك السيدة في حيرة واندهاش طوال رحلتي، ظللت طوال الطريق أردد في نفسي ما الذي دفع تلك السيدة لفعل ذلك، أما كان من الأفضل لها أن تجني بعضا من المال من دون مقابل، ظللت أفكر مدة من الزمن ثم تذكرت قوله عز وجل “لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ ” ثم أدركت أن دافعها كان ما بداخلها من كرامة وأنفة وعزة نفس، غمرني الفرح كثيرا لأني التقيت بهذه السيدة التي أثبتت لي أنه لازال بيننا مثل هؤلاء، هؤلاء الذين لا يعرفون طريقا للقمة العيش إلا عن طريق الكسب من عرق الجبين، مثل هؤلاء الذين لا يعرف الحرام سبيلا إلى جيوبهم، هم من نفخر بهم ونرفع لهم القبعات، هم الذين لازالو يضيئون بوجودهم هاته الدنيا المعتمة التي كنا نظنها لوهلة صارت مستنقعا يتنافس فيه أشباه البشر على ارتكاب أراذل الأفعال وأبشعها، ولا أخفيكم سرا أني أخذت من هذه السيدة درسا في الحياة، مع العلم أن ماكان بنيتي هو أخذ المناديل مقابل المال إلا أني كنت على عجلة من أمري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *