مجتمع

كيف نجعل اللاعنف سلوكا اجتماعيا ؟

يقول غاندي : منذ اليوم الذي قذف فيه الإنسان القديم حيواناً صغيراً بحجر بدأ استخدام العنف .

دائما ما نعاين مختلف أشكال العنف في حياتنا اليومية، سواء أكان عنفا ماديا أو معنويا ورمزيا، وكذلك عنفا خارجيا أو داخليا، لكن نادرا ما نرى اللاعنف في تصرفاتنا وسلوكاتنا، لصد ودفع كل أشكال العنف، المادي أو الرمزي، وفي هذا السياق سنحاول أن نتطرق إلى اللاعنف كمفهوم ووسيلة حياة، وكذلك كخيار تربوي، نعمل على تثبيته وتنميته في ذواتنا كأفراد وجماعات. وقبل الحديث عن مفهوم اللاعنف، سنتطرق أولا إلى مفهوم العنف لإقامة نوع من التقابل بين هذين الضدين بغية إدراكهما كلية .

وكما يقول الفقيه والفيلسوف أبو الوليد بن رشد، الأشياء بأَضدادها تعرف.

مفهوم العنف وأشكاله:

يعرّف لالاند في موسوعته العنف: “بأنه استعمال غير مشروع للقوة، من خلال فرض كائن ما نفسه على كائن آخر خلافاً لطبيعته دون وجه حق أو قانون“، وهو تقريبا نفس المعنى الذي يعطيه كلوزوفيتش للعنف حيث يعرفه بأنه: “ممارسة قسرية على إرادة الآخرين بغية فرض إخضاعهم لإرادتنا“. وعبر هذين التعريفين يمكن أن نستشف معنى العنف بأنه فعل تحاول فيه ذات أن تفرض ذاتها على ذات أخرى ضد طبيعتها الذاتية وكذلك الخارجية بهدف خضوع أحد الذاوات للأخرى، وهذا ما يجعل العلاقة بينهما علاقة مختلة، إحداهما مهيمنة والأخرى خاضعة ضد إرادتها، وهذه العملية نلاحظها في حياتنا اليومية، سواء من خلال الأزواج، الآباء والأبناء، الأصدقاء، الإخوة، الشعب والدولة… إلخ من المظاهر التي تتشكل فيها عملية العنف.
وتتعدد وتتنوع أشكال العنف في حياتنا من خلال عدة مظاهر، ولكن سنحاول أن نركز هذه الأشكال في مظهرين أساسيين هما، الشكل المادي والمعنوي.
العنف المادي: العنف المادي هو إلحاق الضرر بالوجود المادي للغير سواء في الجسد أو الحقوق أو المصالح، مما يهدد حياة الإنسان، كالاعتداء والقتل والسرقة وغيرها من التصرفات العنيفة، مثلا؛ نلاحظ في حياتنا اليومية كيف يتم تعنيف الكثير من النساء من قبل أزواجهم، وكيف يتم تعنيف الأطفال من قبل آبائهم، وكيف تعنف الدولة مواطنيها، وكيف تعنف دولة قوية دولة أضعف منها، وذلك تحت مبررات وذرائع اجتماعية وثقافية وسياسية معينة، فالرجل الذي يعنف زوجته، يعنفها بمبرر أنه زوجها ويحق له أن يعنفها لأنها زوجته وتحت وصايته، كأنه يمتلكها ويرعاها وليس بوصفها كيان مستقل عنه ومترابط معه عبر وساطة الزواج، وهو الأمر ذاته مع الآباء والأبناء، وكذلك حتى الدولة في علاقتها مع المواطنين.
العنف الرمزي: العنف الرمزي أو المعنوي هو شبيه بالعنف المادي من حيث الغاية، لكنه يختلف عنه من حيث الوسائل والاستراتيجية، وهو عنف يتعرض له الجميع بمختلف الأنواع والأشكال والتقنيات، تختلف الدرجة فقط، فالأطفال يتعرضون للعنف من خلال تطبيقات الألعاب ووسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك من خلال علاقته مع آبائه ومدرسيه الذي يفرضون عليه نمطا من السلوك الموجه، والأمر نفسه بالنسبة لكل الأفراد، فنحن نتعرض للعنف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سواء في الفايسبوك أو الأنستغرام أو التيكتوك، من خلال مناشير وتدوينات وإشهارات، التي تكون مبنية على عملية سلوكية “مثير-استجابة” تستفز حاجة الإنسان، أو من خلال إرسال مواقف نمطية حول أشخاص معينين، حيث تعمل على إعادة إنتاج نفس النمط الاجتماعي، وفي هذا الصدد يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو: “يمكن أن يحقق العنف الرمزي نتائج أحسن، قياسا مع ما يحقق العنف الأمني والسياسي” لأنه شكل لطيف من العنف وغير مرئي حتى بالنسبة لضحاياه، حيث يمارس عليهم بتواطؤهم وموافقتهم، لذلك لا يعترفون به كعنف ويستبطنونه في عقلهم كشيء بديهي، من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل داخل المجتمع، ومنه يكون تأثير العنف الرمزي أكثر وقعا وأطول أمدا من تأثير العنف المادي الجسدي الذي يقابل بالرفض والمقاومة من طرف ضحاياه.

تعرفنا على مفهوم العنف وتجلياته الاجتماعية والثقافية والرمزية، وتبين لنا بأنه ممارسة تهدف إلى إخضاع ذات لذات أخرى، وهذه الممارسة سائدة بين الجميع بدون استثناء ولا يمكن مطلقا توقيفها وإنما الحد منها وتقنينها عبر ممارسة اللاعنف، فما هو إذن وما هي وسائله واستراتيجياته التربوية؟

مفهوم اللاعنف:

يتم تعريف اللاعنف في قاموس لارووس بأنه “مبدأ التوجه نحو الفضيلة، حيث يتم رفض واستنكار العنف كوسيلة للفعل في السياسة أو في مجالات أخرى“، ويتم تعريفه أيضا بأنه: “فلسفة، وموقف سياسي رافض لحل المشاكل باستعمال القوة، وعلى العكس من ذلك يتم استخدام الوسائل السلمية لمواجهة وصد العدوان والظلم، من خلال الأخذ بالاعتبار احترام الخصم الذي يتم مقاومته في عدم إيذاءه جسديا أو أخلاقيا” على اعتبار أن العنف هو ممارسة غير شرعية. ويقول مارتن لوثر كينغ أحد مناهضي العنصرية بالولايات المتحدة الأمريكية بأن اللاعنف هو “سلاح قوي وعادل، يقطع دون أن يؤذي ويعظم الإنسان الذي يستخدمه، إنه سيف شافي”. ومن خلال هذا التعريف الذي تم وضعه لمصطلح اللاعنف، يمكن القول بأنه فعل استراتيجته مزدوجة فهو يعمل على الحفاظ على كرامة الإنسان وعدم إخضاعها لأي ذات أخرى، ومن جهة أخرى مواجهة الآخر المعتدي بسلوك غير عنيف قائم على الحفاظ على مبدأ الحياة للجميع ودفعه عن تراجعه ممارسته العنيفة من حيث المبدأ والممارسة، وبالتالي فهي ممارسة تشمل عميقا الأفكار والبنيات الذهنية ومن جهة أخرى الممارسة، وفي هذا الصدد اختار الإنسان العديد من الوسائل غير العنيفة والديمقراطية التي تدفع المعتدي على التراجع. ولعلّ الحركة الغاندية في الهند من أبرز الأمثلة في التاريخ على نجاح اللاعنف، إذ سعت إلى السلم والعدالة وساهمت في إحداث تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، بالإضافة إلى حركة الإصلاح واللاعنف التي قادها مارتن لوثر كينغ، والتي سعت إلى الحرية والمساواة والقضاء على التمييز العنصري وإزالة العقبات وصولاً إلى العدالة والمساواة.
ومن أهم وسائل اللاعنف، الحوار والتواصل مع الأطراف الأخرى، التظاهر المدني السلمي، حيث أبدع الإنسان الكثير من أنواع التظاهرات كشكل من أشكال اللاعنف للتعريف بقضاياه، مثل المقاطعة، المهرجانات، التحسيس، العصيان المدني، الإضراب، رفع الشارة، ومختلف أشكال اللاعنف سواء الثقافية والفنية، وكذلك السياسية والاقتصادية التي يكون لها أثر عميق على دينامية المجتمع، وهذا ما يطرح السؤال وهو كيف تساهم التربية في جعل اللاعنف ثقافة وسلوك يومي؟
من المؤكد أن التربية هي إحدى أهم العلامات السامية للوجود الإنساني وتميزه عن باقي الكائنات الحية، حيث يعمل الجيل الأكبر على توجيه وترشيد الجيل الأصغر منه وتهذيبه وفق القيم الثقافية والاجتماعية، وهذا المدخل جد مهم لجعل اللاعنف ممارسة وسلوكا اجتماعيا ، من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي بما تتيحه من إمكانيات لجعل ثقافة اللاعنف سلوكا اجتماعيا ، حيث تلعب التربية دوراً إيجابياً في تكريس ثقافة الحوار والتواصل واللاعنف من خلال تعليم الأطفال تعليما نشيطا قائما على استثمار مواردهم المعرفية والثقافية، سواء من خلال التعليم الموجه لهم أو من خلال التعلم بالنموذج، للابتعاد عن مقابلة العنف بالعنف وخاصة في مراحل الطفولة المبكرة، ويمكن للأطفال أن يلمسوا آثار السلوك اللاعنفي في الحدّ من النزاعات الصفية في المدرسة من خلال إرساء مفاهيم المحبة والتعاون بين الطلاب، وتمثُل المفاهيم المرتبطة بالسلام والحوار وحقوق الإنسان، والاعتراف بالاختلافات وقبولها، من أجل إقامة علاقات بناءة غير قمعية مع الآخرين. وهذا الأمر ينطبق حتى في الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني من خلال التوعية والتأطير، وأيضا عبر نشر محتويات بصرية في مواقع التواصل الاجتماعي لما لها من أهمية عظيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *