أدب

ترياق

صحي حلم الفتى فأيقظ أنسجة الخبال داخل مخيلته صغيرة الأفق، تتردد مخطوطات كلمة “شغف” بين كلتا مقلتيه، فلم تكف كلتاهما عن الانهمار على وجنتيه كضفة فاض النهر بأسراره لها فشربت أرضها وتبللت ثم استجمعت خباياه فلم تعلن عنها لإنس قط.
ينكس رأسه داخل مخدته باكيا، جسور تخر قواه بمجرد التفكير في التجرؤ على حمل تلك الأوراق مجددا، ليس بجعبته غير مفردات تأبى أن تثنّى، مشتتة يستعصي عليه جمعها في سياق واحد يسعد بنتيجته. كاتب كان هو، تتراقص أنامله على طرف مذكرته فينعم بصوت الحبر العذب الذي يلامس ريشته، يطرب لوقع دوي حافة حرف الخشب على تلك الصفحة البيضاء فيتلذذ بانتصاره. مراهق كان، أراد أن يخدم جيش بلده، فكبر ليصبح فارسا مغوارا يظفر بكل من حاول إيذاءه أو تجرأ ولو بقيد أنملة على ثكنته العسكرية، محارب قوي البنية وصارم الطباع هو نفسه من يبيت بين أربع جدران ينتحب وشهيقه الصامت يعلو فيملأ سقف الغرفة كلمات خيالية تفيض بالمشاعر فتغرس بجذورها داخل مخطوطاته ثم تزرع الأفكار بذورها وتروى من سقي جنونه. تخلى يومها عن حلم جال البلدان لتحقيقه؛ ذات اليوم الذي فقد خليله فيه.
كان كلما رصع سيفه بدماء أحد المحاربين تخيل ريشته تكتب تاريخا يروي عن حدث كذاك، وكلما ساوره التعب أحس أن اقتباسات مرهقة تطلق نفسها بحرية داخل ذهنه لتعانق توتره بود يذهب كل خوف يسيطر على دواخله. إنه سام.

_ ” سيدة أوليف، توقفي عن اللف والدوران، أخبريني بمكان التسجيل حالا! ” صاح بها في أخر كلامه ويبدو أن أعصابه قد انفلتت منه للدرجة التي استدعت تدخل أحد قادة الثكنة.

_ ” رويدا يا رجل! لن تقول شيئا وأنت تضعها تحت كل هذا الضغط.” أردف ببطء ليعود أدراجه خارج ذلك السور القصير.

_ “ صرحي بأقوالك وإلا سينتهي بك الأمر في زنزانة معزولة، صدقي أو لا تفعلي، لن تطأ قدمك الكلأ الرطب مجددا. ” تحدث سام بصوت هادئ يتفقد تلك الورقة التي بين يديه، أن يستجوب زوجة العميد التي كانت بمثابة أمه على مدار خمس سنوات الماضية، وبتهمة حيازتها لتسجيل يدل على خيانتها وزوجها للوطن، ليس بالشيء الذي قد توقع أن يقع فيه يوما.

ابتسمت بود مصطنع لترمقه باستخفاف شديد:
_ ” يخيل لها الجواد بسراجه وهي في سياج الأسرى متلحفة بغطاء، رعديدة، تتردد ذكريات تلك الليلة تستهدف مُهجة باسلة الخلق فتلتوي ذراعها متوجعة، مفجوعة تتمسك برأسها، على بعد ميل من الوقوع في جزع يتلبس ما بدأ من ذعر يجتبيها… “

قاطعها سام بقهقهة خالطها شيء من الغضب ليردف ومن الواضح أن أسنانه ناصعة البياض تكاد تطحن بعضها البعض:

_ “أتستخدمين خواطر خليلي الآن؟ كتب أخي في حب الوطن دواوين حُركت لها المشاعر وشحنت بها العزائم، ثم تستخدمها خائنة من قبيلك، صه! لا تنبسي بحرف واحد حتى.”
حمل أحد الكراسي المهترئة في الخلف ليخرج تاركا إياها في صدمة، كيف لا يُفتح فاهها وهي من ظنت أنها هزمته عندما أتت على ذكر شقيقه.

جلس القرفصاء خارجا، يؤنسه الصمت بدندنته ويزعجه صخب عقله الذي أراد لو يخرس لوهلة، أخرج أحد الرماح من حقيبته رمادية اللون، أخذ يمسح القسطل عنه ببطء شديد عكس العاصفة التي تدور بداخله. الكثير من الأسئلة التي لا جواب لها تقتحم هدوء الشاب فتجرفه نحو الشك.

كان كلير شغوفا بالكتابة، مولعا بمبارزة خياله ليطرحه على شكل حروف وكلمات، تم اغتياله برمح محمول بسم وهو ابن العشرين سنة. لفظ أنفاسه الأخيرة والريشة بين يداه.
أخر ما خطته أنامله: “لم أظن أن الضوء الذي انتشلني من الظلام كان العتمة بحق. “

كان سام أكثر لوعة بالكتابة من أخيه، لكن بعد ما حدث قطع وعدا على نفسه أن لا يمسك بالريشة إلى أن ينتقم.

توجه للجيش فرارا من الفراغ بحثا عن القاتل، فلم يُعرف صاحب الرمح بعد، ولا من دفعه لذلك. كان العميد آنذاك مسؤولا عن توظيف حرس لحماية كلير من الهجمات التي لاحقته لفترة – كان من أشهر كتاب المنطقة – لكنه اغتيل قبل ذلك.

أخذ سام كفايته من التفكير وربط الأحداث ببعضها البعض. قصد غرفة أخيه ينقب في كل ركن، غرفة كلاسيكية، مليئة بالمخطوطات والكتابات، يُسمع للجدران صوت لهفة مرهقة لاستنشاق عبق الحبر، شموع على جانب كل أريكة، نبتة الخيزران ورائحة الزهور تملأ المكان.
استغرق أسبوعا كاملا يبحث عن التسجيل. استجوابات متكررة، تفتيش للمنازل وحل للألغاز، لم يكن همه الأكبر موضوع الخيانة بقدر ما فكر بعلاقة هذا الأمر مع موت كلير، وضع نظريات منطقية وبنى بالدليل على أساس صحتها أو بطلانها.

ألقى التحية على رفقائه ليهم باقتحام قلعة درسدن دون ما انتظار.

جلس مقابلا لها. لم يتغير شيء، متلبدة المشاعر، متهكمة ومستفزة.

_ ” سيدة أوليف، أظنك لا تعلمين أن التسجيل بحوزتي منذ ما يقارب الأسبوع.”
أخرج سام التسجيل من حقيبته، أنصت والقادة لذلك الحوار السياسي المحض، خيانة واضحة لا غبار عليها.

ضحكت حتى عانقت خدودها كلتا مقلتيها:
_ ” وماذا في ذلك أيها الشاب؟ قلت عني خائنة للوطن؟ فليكن! ما الذي ستصنعه بي؟ قتلي؟ صدقني سأخرج منها سالمة. ” أنهت كلامها ببصق اللعاب في وجه سام.
أرجع كرسيه للخلف لينظر إليها بطرف عين، وقال:
” لقد قمت وزوجك بمساعدة كلير بعد أن تم اعتقاله من طرف جنود بريطانيا، صحيح؟ “

انزلقت ابتسامة على طرف شفته لينتهي به الأمر بقهقهة بسيطة.

_” أنت! لما ترمي؟” قالت وعلامات الاستفهام مرسومة على وجهها

_” مجرد هذيان مختل يستنشق من عبق الجنون فيغترف من زبد الاختبال ما يزيد من شرارة خبال المتوهم. ” أجابها ليرفع حاجبيه في غرابة وأكمل بينما يكتب على ورقة كانت بجانبه:
_ ” هيا يا سام! كتابات رائعة رغم طول الانقطاع. كما ترين، لقد أخلفت الوعد الذي قطعته على نفسي. “

تسمرت مكانها، تعلم أن سام غير عشوائي في اختيار كلماته، ويعرف جيدا متى وأين ينبس بأي حرف.

_” الضوء المعتم! العتمة التي تبدو كالضوء حتى تجرفك للسواد، تجعلك ترى القواتم فقط، لابد أن الأمر كذلك…لم يستطع أن يسحب كلير لسواده، لم يلطخه بالوحل الذي كان عالقا به فقرر التخلص منه.”

توقف قليلا ليرفع رأسه عن تلك الورقة أخيرا، وأكمل بتهكم:

” لم يكن أخي ذا فائدة لعميل بريطاني على أية حال.”

نهض من على الكرسي يمشي ببطء داخل تلك الغرفة، اقترب لموضعها لينحني قليلا ثم رمقها باستخفاف مكملا:

_ ” لبد أنك فقدت التسجيل قبل خمس سنوات، لقد أعطاك كلير خيط نجاة عوضا عن حبل، مضحك! تتذكرين اللغز الذي كتبه على ذلك الجدار المقابل لقصرك؟ أعني، في نظرك كانت مجرد زخرفة زين بها حديقتك، لكن الحقيقة، لطخ بنقشه سمعة رجلك ذائع الصيت، لم يكن زوجك البذيء فطنا كفاية للتعرف على ألغاز كتلك، لم يدرك أبدا أن حائطا مزوق قد يحمل عنوان المخبأ. “

سحب المقعد بجانبها، جلس ثم استرسل في حديثه بشيء من الهُزء وقد تجهمت ملامحه:

_ ” لو دققت في طرف الجدار يا سيدة أوليف لوجدت المخبأ الذي اجتمعت فيه كل قذاراتك وزوجك، أتستطيعين قراءة ما كتب في طرف الورقة؟ “
اقترح عليها سام الأمر ليعود برأسه للخلف يراقبها في صمت.
” ضيق، بدايته راء ونهايته نون. ” تحدثت بصوت خافت.

_” مدينة ريوتلنغن، وضع كلير جميع التسجيلات والكتابات في حفرة داخل إحدى الشوارع الضيقة، تخيلي! كل ما قد ينهي مسرحيتكم السخيفة. “

امتزجت مقلتاه المكسوتان بلون البن ببعض الدموع ليردف بهدوء غير متوقع

_ ” لقد ترعرعت بدون أبوين في وسطٍ الغني فيه يمتلك قطعة خبز يقسمها على أبنائه الستة كأقل تقدير. رأيت كلير وهو يمسح حذاء أحدهم للحصول على بعض القطع النقدية لإطعامي، في ليالي الشتاء الباردة كان من يزيل على جسده الهزيل قميصه الوحيد ويدفئني به. سمعت أنينه بجانبي، شعرت به يرتجف من الزمهرير ويهون على نفسه بأنني في المقابل بخير ولا يهم ما يمر به هو ما دمت أنا بحالة جيدة. صباحا، كان يستيقظ وبزوغ الشمس يراقب أقرانه يتبادلون الرأي حول مسوداتهم وهو عوضا عن ذلك يتجه لإحدى المزارع يعمل ليوم كامل للحصول على بعض القمح الذي نستطيع العيش عليه في المساء. لقد كان كنزي الثمين. تخلص منه زوجك، وسأتخلص من كلاكما اليوم.”

شرعت السيدة أوليف بالضحك بصوت مرتفع، فقدت صوابها للحظة على الأرجح.

_ ” هل من المفترض أن أتأثر؟ ” نظرت له بسخرية في حين لم يعرها سام أي اهتمام.

هرع أحد الجنود للغرفة وقد ارتسمت على ملامحه ألوان الخوف والرعب.

_ ” لقد شنت بريطانيا هجوما من الجهة الغربية، وصلتنا أخبار أنها على وشك السيطرة على المنطقة. “

ابتسم ببرود ليدير ظهره قاصدا المغادرة ثم تكلم:
_ “لنرى من سينتهي به الأمر متعفنا في إحدى الزنازين، أنا أم أنت. “

ترياق

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *