أدب

صيدلية الحي

الطريق نفسه، الأضواء نفسها، ظنت أنها تعرف ذلك الزقاق لمجرد مرورها بمحاذاته إحدى عشرة سنة، لكن اليوم ولأول مرة بدا مختلفا، كل شيء يبدو مختلفا بعد الجنائز، كأن الراحل يأخذ آثاره معه فتفقد الأشياء معناها، مرت ثلاثة ايام على وفاة العم احمد، لطالما اعتبرته ثريا رجلا يختصر كلمة”عائلة “ كان قد تكفل بها منذ ان فقدت والديها في سن الثانية عشر، اهتم بدراستها و تعليمها قبل أن تشتغل معه في صيدلية الحي.

في أول يوم عمل لها، أخذت شهيقا ثم زفيرا، أحست باستقرار حياتها التي لم تعرف سوی التذبذب؛ عمل قار، في معارفها أربعة أشخاص، العم أحمد وأولاده : عيسى الإبن الأصغر، و حسن في نفس سن ثريا، كان قد انتقل لانجلترا في سن الثامنة عشر للدراسة ثم تعرف على رقية، تزوجا و استقروا هناك، يأتيان في العطل السنوية و الاجازات، كانت ثريا مقربة من رقية. ظنت أن الحياة ستسير على هذه الشاكلة لعقدين على الأقل؛ لم تتوقع ان يغادر العم أحمد بهذه السرعة.
قال الجيران أن الطيبون يموتون باكرا، لكن خالد آمن أنه لغز يتطلب حلا. كان خالد صديق طفولة حسن، ولد مشاكس في الحي اختفی من الوسط لسنوات، ثم عاد بعد أن أصبح محققا جنائيا، لطالما أكن تقديرا و حبا مختلفين للعم احمد. تولى البحث في قضية موت العم أحمد، و باعتبار ثريا كانت الأقرب للعم أحمد، فقد اعتبرها مرجعه الأهم. سألها في أحد اللقاءات “على حد علمك، هل كان أحد يكره العم أحمد”؟ أجابت ” و هل هناك من اتفق الناس على حبه؟” صمتت قليلا ثم استرسلت “لكني أظن أن العم أحمد صنع هذا الإستثناء” أحست بغصة في حلقها تصعد نحو جفنيها ثم أجهشت بالبكاء.

غادر أحمد منزل ثريا ثم توجه لمطعم بالقرب من الحي تديره صديقة طفولته كنزة، كانت مشاكسة بقدره و كان ملاذهما العم أحمد إذا ما افتعل أحد الجيران مشكلا.

لا يدري هل تقبل بسهولة أم أنه لم يستوعب بعد، كان مشهد جثة العم أحمد تظهر و تختفي كالسراب في ذاكرته. مستلقيا على كرسيه داخل الصيدلية، مفتوح العينين وكأنه انتظر الموت بكل طمأنينة. أرثى لحال ثريا صعب أن تتخطى لا سيما أنها أول من وجد الجثة. أخذ مكانه في المطعم ثم ورده إتصال من مساعده سليمان

“الو..”
سيدي اتصلوا من مختبر تحليل الطب الشرعي .. بخصوص العم أحمد..”

“ما هي النتيجة؟”

“جرعة زائدة من الأنسولين ..” عدل خالد جلسته ثم استرسل سليمان” يقول التقرير أن نسبة الأنسولين في الدم مضاعفة أربع مرات..”

تجمدت ملامحه لوهلة، لقد كان العم أحمد مريض سكري لكنه صيدلي لما يقارب الثلاثين سنة؛ لا مجال لحدوث خطأ كهذا، أيعقل أن تكون قضية إنتحار؟

أنهى خالد المكالمة فكر في أخبار عائلة العم احمد، توجه لبيته حيث يقطن عيسى.

حالما قابله عادت له ذكريات طفولته، لكنه سرعان ما تمالك نفسه.

“أهلا خالد هل من جديد؟”

“في الحقيقة جئت أخبرك ب مستجدات قضية العم أحمد”

تغمده الله برحمته، ثم ضيق نظرته وكأنه تذكر شيئا “لقد زارني المحامي صديق أبي، قال أنه كان على موعد” معه اليوم و أن أبي أصر أن يكون هنا عند الثالثة بعد الظهر” استغرب خالد، لقد تخلى العم عن حياته قبل أربعة أيام كيف له أن يضرب موعدا لليوم، فجأة خطرت له إبر الأنسولين لم تكن في الصيدلية ذلك اليوم.

هل تملك مفتاح الصيدلية؟ “سئل خالد ثم حرك عيسى رأسه بالإيجاب”.

أخد المفتاح وتوجه مسرعا لمسرح الجريمة.

لم تكن ثريا قد استرسلت العمل في الصيدلية بعد لابد و أنها لازالت تحت تأثير الصدمة.

فتح الباب، الظلام حالك، اكتست الصيدلية بعد الحادثة حلة مقبرة.بحث بين علب الدواء المصفوفة قبل أن يدخل لغرفة العم أحمد حيث كان يفحص المرضى. كتب أوراق بيضاء أقلام و صورته مع والده.لاشيء فجأة بدا له معطفه البني فوق الكرسي، أخرج من الجيب فاتورة دواء من صيدلية تبعد حوالي سبعة كيلومترات. كانت الفاتورة لإبر أنسولين، عجيب!!!!

تشبت بآخر أمل له أخذ سيارة أجرة متوجها للصيدلية.

كانت فتاة في الثلاثينات من عمرها ترتب علب الدواء، أخرج خالد الفاتورة قائلا” الشرطة ..أريد أن أطرح عليك بعض الأسئلة”
أبدت الفتاة ملامح تعجب “تفضل سيدي”

“هل أنا في العنوان الصحيح؟”

“أجل هذه فاتورتنا، حررت قبل أسبوع لكني لا أتذكر لمن..”

“انها لرجل في الخمسين من عمره، اكتسح الشيب شعر رأسه، يرتدي نظارة طبية ..”

“العم أحمد!!! أجل لابد أن يكون هو .. يأتي إلى هنا لزيارة إبنه ينتظر هنا في الصيدلية ريثما يأتي السيد حسن ، لقد تذكرت كان على غير عادته وجهه محمر طلب جرعته المعتادة من الأنسولين ثم غادر”

“أذكرت منزل ابنه!! هل يمكنك ان ترشدني إليه ؟” تفاجأ خالد

تفاجأ أكثر عندما وجد أضواء المنزل مفتوحة، تهجم وجهه ؛”على بعد 7 كلم و لم يزر إخوته؟!!” تسارعت دقات قلبه ثم رن الجرس، فتح رجل و قد ظهر عليه التعب، وجهه مصفر كأوراق الخريف، حسن أهذا أنت؟!! ماذا حصل؟

“أهلا صديقي .. تفضل بالدخول”

لماذا لم تزر بيت والدك، انقبضت ملامحه ” حاولت أن أهرب لكن أين المفر من عذاب ضميري” و بدأ يحكي لخالد قصته “عندما كنت في إنجلترا في إحدي التحاليل الروتينية إكتشفت أن زمرة أمي و ابي “أ” بينما زورتي”ب” ، قالت الطبيبة أن هذا شيء مستحيل، كان الموضوع يؤرقني لليال هل هو خطأ أم معجزة؟

عدت لأقطع الشك باليقين و هنا كشف لي الاختبار ما لم ارد سماعه. قررت أن أعود لانجلترا لكني قبل ذلك سأصارح والدي،عندما واجهته بالحقائق أخبرني بكل برود “لقد أحببتك كإبني” لطالما أعجبت بقوة أبي لكني تمنيت أن أرى ضعفه آنذاك ثم استرسل” عندما وُلدت ثريا إبنتي انهارت كل الأحلام التي بنيتها على وعود والدي، كان يريد وريثا ذكر مقابل أن يمول دراستي بإنجلترا، زوجني قسرا حليمة حالما جاءه خبر حملها دفع تكاليف دراستي، سافرت لانجلترا لدراسة علوم الصيدلة بينما ظلت حليمة مع والداي،كنت قد عدت قبل أسبوع من الولادة في إحدى الليالي عندما كان والداي مسافران باغثها المخاض استدعينا جارتنا رحيمو لتساعدنا كانت صرخات حليمة ..تتسارع ثم صمت فصرخة، صرخة فتاة..

نقلت حليمة للمستشفى إثر نزيف، لم أفكر في شيء سوى أحلامي، كانت رحيمو قد رافقتنا للمستشفى أخبرتها مطأطأ رأسي، أجابت بكل ثقة أنها سترى ما يمكنها أن تفعل، بعد نصف ساعة عادت و في حضنها رضيع، أخدت ثريا مني ووضعتك مكانها. لم أستطع أن أنظر لعينيك، أخبرتني أنه علي أن أدفع مقدارا من المال وافقت دون تفكير،لن يبخل علي أبي بعد الآن.عندما استيقظت حليمة من الغيبوبة لم تتذكر شيئا أخدتك في حضنها، أحبتك كقطعة منها كانت تحس بشيء غريب لكنها لم تبح أبدا.

بعد ستة أعوام عدت لأستقر مع عائلتي، أوفى والدي بوعده، بدأت العمل في الصيدلية،بعد ستة سنوات علمت وفاة والديك، تكفلت ب ثريا درست ثم بدأت العمل معي أرادت مسكنها الخاص فاحترمت رغبتها.

لم تقابل عيناي عيناكما يوما إلا و خارت قواي، كنت أحبكما لكني تجاهلتكما. علمت أني لا أستحق قرب أطفالي ارسلتك لانجلترا لأني خفت عليك من نضراتي ” أخدت شهيقا ثم زفيرا، أخبرته أني لن أسامحه ما حييت أخبرته بكل ما خالج صدري مذ أن أرسلني بعيدا ثم طردته من منزلي وحياتي، لم ألق بالا لتأثير كلامي على أبي،عندما غادر سمعت ضجيجا من المطبخ ثم تبدت لي ثريا من خلف الضلام، كنت مذهولا هل سمعت ؟ كنا ضحيتان لكن ثريا ستواجه حقيقة رفضها، تكلمت بهدوء” لقد اقترضت فستانا من رقية أخبرتني أنه يمكنني أن آتي لأخده لم أكن أعلم أنك ستعود “تنفست الصعداء لم تسمع شيئا “أجل سأعود بعد غد لإنجلترا..”قلت”.

فكر خالد كيف استطاع العم أحمد أن يعيش بعبء كهذا؟ بل كيف استطاع أن يعيش؟ قاطع حبل أفكاره اتصال سليمان “سيدي أظن أنه عليك القدوم لقد وجدنا كاميرات مراقبة لم تتأثر بالأمطار الغزيرة قبالة الصيدليةلم يعلم خالد كيف وصل لمركز الشرطة، اندفع نحو المكتب، كانت المشاهد غير واضحة لكنه ميز معطفا بنفسجيا، إنه معطف.. ثريا. دخلت الصيدلية حوالي الثالثة صباحا، تلاها العم أحمد بعد نصف ساعة خرجت و لم يخرج هو.

صدر قرار إلقاء القبض على ثريا، كان لابد من التنفيد،اندهشت ثريا من الخبر “لا يمكن مستحيل لم أفعل شيئا لأبي”

كانت ثريا تحت الحراسة النظرية، أنكرت بشدة ما أنسب إليها، وجد خالد من بين أغراضها رقم هاتف سجل باسم الدكتور محيي الدين، خطر على باله أن يتصل إكتشف لاحقا أنه طبيب نفسي وافق على لقائه في مقهى قرب مقر الشرطة عند نهاية دوامه.

جلس على مقربة من باب المقهى، طلب قهوته السوداء المعتادة كانت تعينه على التغلب على آلام رأسه لكنها لم تعد كذلك، وصل الدكتور كان فارع القامة أصلع الرأس على وجهه ابتسامة ساحرة بدت عليه العجلة.

“أشكرك دكتور على قدومك”

“في الواقع هذه المعلومات شخصية لكن القانون فوق الجميع”

” ثريا أخبرتني أنها مريضتك أليس كذلك؟”

” أجل لقد شخصت بمرض الانفصام قبل ثلاث سنوات، لم ترد أن تخضع للعلاج الدوائي او لجلسات الجماعية تأتي عندما تشتد الأعراض تريد علاجا فوريا و تغادر
“متى كانت آخر مرة زارتك؟” حاول خالد ان يربط بين الأحداث.

” قبل أسبوع، كانت تحاول أن تقول شيئا، لكن كلماتها كانت مشتتة حكت عن طفولتها ثم عن ضغط العمل، أخبرتني كيف أن ثلث زبائنها يأخذون مضادات الألم دون ألم ثم ..”

قاطعهم اتصال من سفيان”آلو…”

“سيدي، أحد المشتبه بهم انتحر…”

صيدلية الحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *