سياسة

يا سكان العالم اصعدوا

“إذا كان القرن العشرين هو عصر السقوط فإن القرن الحادي و العشرون هو عصر الصعود. فعندما تعلو أمم تسقط أخرى. على الأجيال الحالية أن تستثمر هذا المكسب التاريخي الذي ليس وليد الصدفة وإنما نتيجة لتراكمات تاريخية، ليكون حافزا لها في مشروعها النهضوي و التنموي. فأضعف الإيمان أن التاريخ سيذكر الأجيال التي أخفقت أنها عاصرت حقبة الصعود و أنها كانت بجانب الصعداء. ويعتبر وصول المنتخب المغربي إلى المربع الذهبي في كأس العالم لكرة القدم نسخة 2022 المنظمة بقطر وكذلك المستوي القيم الذي قدمه المنتخب الياباني وجه من أوجه هذا الصعود. أقول أنه وجه وليس هو الجسم”.

لقد شكل القرن العشرين منعطفا مهما في تاريخ البشرية نظرا لما عرفه من أحداث و اهتزازات لم يسبق للعالم أن عاشها. إن السقوط الذي عرفه القرن العشرين لا أعني به سقوط جدار برلين في عام 1989 ولا سقوط أكادير عام 1960، إنما أوحي به إلى ذلك الانهيار المأساوي tragédique الذي أصاب أعظم الأمم التي سادت و حكمت العالم. فإذا أرادت الدول فهم و استيعاب ما حدث بالضبط، يجب أن تعمل بنصيحة العم هنري كسنجر الذي سبق أن قال :”التاريخ هو ذاكرة الدول“. عملا بقول الدبلوماسي الأمريكي، يبدو أنه من الضروريات سبر أغوار التاريخ لمعرفة خصائص و سياق السقوط الذي عرفه العالم خلال القرن العشرين.

لا شك أن وفاة الإنسان يأتي بعد ولاداته، نفس الأمر يسري على الأمم فسقوطها دائما يكون مسبوقا بصعودها. في هذا السياق، فألمانيا الصاعدة منذ بداية القرن السابق وطموحاتها التوسعية من أجل إيجاد مكان تحت الشمس انتهت رحلتها بسقوطها بعد نهاية الحرب العظمى سنة 1919 بعد تكبدها خسائر الحرب وبسبب العقوبات الثقيلة التي فرضت عليها من طرف القوى المنتصرة في الحرب. فكم من نهاية هي بداية لأن ما تعرضت له ألمانيا لن يزيدها سوى إصرارا و عزيمة لمواصلة تحقيق الحلم. بعد السقوط الأول، ستعرف ألمانيا سقوطا ثانيا سنة 1945 لكن هذه المرة أشد فتكا بدماء نازية و أكفان هتليرية. أما عن انهيار الإمبراطورية الروسية القيصرية على يد البلاشفة بعد نجاح ثورة أكتوبر 1917، فهو حدث مهم جدا لأنه أحدث خللا في ميزان القوى و بعثر أوراق دول الحلفاء. وانتقالا من أوروبا الشرقية إلى العالم العربي فهذا الأخير سيصبح لاحقا ساحة الصراع بين القوى بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية سياسيا في عام 1922 و قانونيا عام 1923، ولا ننسى انهيار أن الإمبراطورية النمساوية المجرية هي كذلك جزء من هذا السقوط.
الشيء الذي لا غبار عليه هو أن الحرب العالمية الأولى شكلت نقطة الانعطاف في تاريخ العلاقات الدولية و بداية حقبة جديدة تتميز بإدراج عناصر و ميكانزيمات جديدة في تحليل هذا الحقل العلمي. إلى جانب الإمبراطوريات الأربع، كان قد تم ختم هذا السقوط التاريخي الخاصية المميزة للقرن العشرين بانهيار و تفكك الاتحاد السوفياتي في نونبر1991. نهاية الاتحاد السوفياتي بهذه الطريقة يعتبر كما قال الرئيس الروسي في أحد خطابته خلال ولايته الأولى بأنه «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”. و بمجرد سقوط القطب الشيوعي بدأ عصر الصعود من خلال انفراد بلاد العم سام بالريادة و الهيمنة على العالم، الشيء الذي تم تكريسه بإعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تأسيس نظام عالمي جديد. و قبل انتشالكم من عصر السقوط هذا، فكل سقوط هو مأساة، تلك المأساة التي تحمل بداخلها خوفا ورعبا لا حدودلهما. في هذا الإطار، سبق للروائي الفرنسي ألبير كامو أن قال بأنه”: إذا كان القرن السابع عشر هو قرن الرياضيات، و القرن الثامن عشر هو قرن الفيزياء، و القرن التاسع عشر هو قرن البيولوجيا، فأن القرن العشرين هو قرن الخوف”. هذا يعني أن الخوف هيمن على القرن العشرين فخلاله ظهرت أربع أنظمة شمولية: الستالينية، النازية، الفاشية والصينية بالإضافة إلى أثار الحربين على النفس البشرية.

أما فيما يتعلق بعصر الصعود، فكل المؤشرات تؤيد هذه الفرضية فصعود الصين كقوة اقتصادية إلى جانب البرازيل، الهند و عودة روسيا إلى الساحة الدولية و حنينها إلى الاتحاد السوفياتي، بالإضافة إلى ظهور وطموح بعض القوى الإقليمية مثل تركيا و إيران إلى لعب دور نشيط في قضايا العالم. هذه من بين عناصر الصعود الذي يعرفه القرن الحادي و العشرون. فإذا كانت الدول السابقة الذكر قد عبرت عن صعودها بطريقتها الخاصة فإن بلدنا الحبيب ولمواكبة المستجدات و مشاركته في مسلسل الصعود قامت برفع أثمان المنتوجات الغذائية و الزيادة في أسعار المحروقات. فنحن الجيل الذي لن يستفيد من الحقبة التي تعيشها البشرية أي عصر الصعود سوى أن الأجيال القادمة ستذكره أنه عاصر حقبة الصعود. على الطريقة الشيوعية أقولها: يا سكان العالم اصعدوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *