أدب

شكرا أبي

كان يوما عاصفا ولم يكن لدي سوى حذائي الممزق من الأمام ،بيتنا بعيد عن المدرسة،إذ يفصل واد بين الإثنين،كان غاضبا الواد اليوم(هائج)،عندما كنت أريد عبوره أخذ فردة حذائي،لم أكد أصل إلى البيت حتى رأيت حشدا كبيرا من الناس أمام منزلنا،رميت محفظتي بسرعة ،و أكمت السير و قدماي يتمسكان بالوحل،دخلت غرفة أبي لأجد غطاء أبيض اللون يعانق جسده و أمي منهارة و بالكاد تستطيع تمييز ملامحها من شدة البكاء، أما أنا فبقيت مصدما في مكاني لم أستطع أن أتقدم للأمام،تمنيت لو كان كابوسا فقط،جذبتني أمي إلى حضنها وقالت لي:”لم يبقى لدي سواك يا بني،لقد مات أبوك”كانت هذه الكلمة كالصفعة بالنسبة لي،صرخت أبــي!لم تكن صرختي قوية ليفيق كنت أظنه نائما جاء أربعة من رجال قريتنا ليخرجوا أبي إلى مرقده الأخير،ذهبت معهم إلى المقبرة وكانت الدموع تأبى أن تفارق أبي،ربما لأنني عرفت المسؤولية التي تنتظرني فأنا رجل البيت الآن وعلي أن أعيل أمي عدت إلى البيت ذهب كل من كان يساند أمي و بقيت هي ما إن رأتني حتى انهالتني إلى حضنها كان هناك دفئ كبير بخلاف الجو لقد كان فصل الشتاء بارد جدا كبرودة التي تركها أبي في قلوبنا، مضت قرابة خمسة أشهر كانت أمي قد أزالت لباس العدة،و لأنني بدوي أصيل نسيت أحلامي و تخليت عن المدرسة لكي أشتغل و أوفر لأمي ماكان يوفره أبي لها اشتغلت في رعي الأغنام عند أحد أثرياء القرية،و انتقلت إلى حمل صناديق الخضر و الفواكه في السوق الأسبوعي و أنا ابن الحادية عشرة ربيعا،وبينما أنا أحمل صندوق البطاطس شعرت بيد وضعت فوق كتفي و أدرت وجهي لألقي من هذا الذي وضع يده علي ،وجدت رجلا ذو لحية رمادية اللون و عينان واسعتان،و تجاعيد بارزة،قلت له :”من أنت ؟”لا يهم من أنا الأهم لماذا أنت هنا ؟أقرانك في المدرسة!” -إنني أشتغل لأجد ما آكله أنا و أمي -لدي إقتراح لك لماذا لا تشتغل لدي و أنا سأعطيك ضعف ما تتقاضاه في عملك هذا ولكن أن تنفذ العمل -أنا موافق لكن ماهو العمل -هيا معي الى المنزل و ستعرف ماهو العمل -ذهبت معه بسيارته وصلنا لبيت كبير فتح الباب و قال لي تفضل يا بني ،دخلت و أول ما لفت إنتباهي هو مكتبة كبيرة مليئة بالكتب و ددت لو امتلكت مثلها،-انتظر هنا يا بني سأحظر الشاي لنكمل الحديث،لم أستطع تمالك نفسي و ذهبت بإتجاه المكتبة و حملت كتاب،لم أشعر بالرجل العجوز عندما أتى برفقة الشاي ،قلت له أنا آسف يا سيدي لم أتمالك نفسي عندما رأيت كل هذه الكتب -لا، داعي للإعتذار! -إذن،مالعمل المطلوب مني؟-أريدك أن تعود الى الدراسة و أنا سأتكفل بجميع مصاريف دراستك و بأمك و يمكنكما العيش في المنزل الموجود في الحديقة،لقد خطرت مجموعة من الأسئلة في ذهني عندما اقترح علي هذا الرجل هذا الإقتراح ،سألته ،بسرعة: لماذا تقوم بهذا معي؟”أجابني :”ستعرف كل شيء في الوقت المناسب ولكن الآن يجب أن تذهب الى المنزل لأن أمك ستكون بإنتظارك ولكن خذ معك هذا الكيس و كذلك الكتاب الذي حملته و سأوصلك وغذا يمكنك أن تنتقل أنت و أمك ،وصلت إلى منزل ووجدت أمي تذهب و تأتي بين أركان البيت،ما إن دخلت حتى انهالت علي بالأسئلة أين كنت؟و مع من؟رويت لأمي الحدث كله فرحت كثيرا،ثم تذكرت الكيس الذي أعطاني إياه الرجل فتحته بسرعة ووجدت محفظة و كتبا و ملابس لي و لأمي و بعض الفواكه كانت أمي سعيدة.

في الصباح الباكر جمعنا كل شيء وانتقلنا الى بيت الرجل العجوز،رحب بنا و سعد و قال لي من اليوم يجب أن تذهب إلى المدرسة ،و هذا ما كان فعلا لم تكن مثل مدرستي،بل كانت جميلة جدا،أصبح لدي حذاء جديد،بدأت الدراسة وكنت أنا الأول في قسمي مضت السنوات و أصبحت في آخر سنة في الثانوية العامة،نجحت بمعدل مشرف جدا،كان لدي شغف لدراسة الطب فعلا أكملت في كلية الطب ظل الرجل العجوز يرافق خطواتي،بينما أنا و إياه نتحاور أمسك برأسه،قلت له هل أنت بخير ؟اسنتد علي لآخذك لسريرك و هذا ما فعله،قال لي هل تذكر يا بني لقد سألتني و أنت طفل صغير ما السبب الذي جعلني أساعدك،و أ نت شاب الآن هل لازلت تود معرفة السبب،أجبت بحماس :”نعم،أريد”قال ربما هي آخر لحظات في عمري ولكي لا يبقى سر بيننا،لقد كنت مريضا و أحتاج إلى متبرع بالدم لقد تبرع لي رجل لم أكن أعرفه أصريت على الطبيب لأعرف من هو! ،هل تعرف من هو كان هذا الرجل يا محمد لقد كان والدك رحمه الله و عندما أعطيته المال لم يرد أن يأخذه و قال لي إن كنت تريد أن ترد جميلي فأتمنى أن تعتني بإبني و زوجتي أشعر بأن أجلي قارب على الانتهاء،لقد عرفني والدك عليك و كنت أراقبك دائما و أحرسك و جاء وقت رد المعروف عندما رأيت أن العمل لا يناسب طفلا صغيرا.لم يكمل كلامه لي حتى لفظ أنفاسه الأخيرة أمامي لقد بكيت عليه كثيرا و أمي أيضا لأنه كان بمثابة الأخ الأكبر لها عانت والدتي من مرض السل الرئوي الحاد و لم أستطع فعل شيء رغم أنني طبيب،هذه حكايتي يا بني لقد كان ذلك العم دائما يوصيني بفعل الخير لهذا كرست حياتي في معالجة الأطفال مثلكم و أن أزرع الأمل في قلوب الناس إن أشرف إنسان ليس من يملك المال فقط بل من يملك الأخلاق أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *