أدب

طفلة تحكي

شعرت بالتردد طویلا، لكن كان علي أن أفعل ذلك في النھایة؛ إذ یقال أن أفضل طریقة للخروج ھي خوض الأشیاء.

أمسكت المذكرة التي اشتریتھا صباح الیوم، فتحت الصفحة الأولى وتناولت قلمي الأسود المحبوب. قال لي شخص ما قدیما أن كتابة الیومیات ھي وسیلة علمیة لا تساعدك فقط لفھم ذاتك؛ إنما للتخلص من قیود الماضي أیضا، لذا بعد أن عانیت طویلا وأنا غارقة في عار ھذه الذكرى، كان لا بد لي من البوح بھا، ولیس ھنالك من أذن قد تستمع إلي دون شفقة سوى أذن ورقة عذراء.

حسنا، إنني لست متمرسة قط في كتابة الیومیات، لذا لا أعرف من أین أبدا. بالطبع لن أبدأ بجملة من قبیل: »استیقظت في السابعة صباحا، وتناولت فطور الشوفان المفضل لي« لا یبدوا ھذا أبدا نوع الجمل التي أرید سردھا لأنتھك بھا براءة ھذه الورقة، علاوة على ذلك إنھا مبتذلة جدا، من قد یھتم بفطور الشوفان الذي تناولتھ؟

دعوني فقط أبدأ بشيء لطیف، لأن ما سیأتي لاحقا كاف لكي یمسح كل ما جاء قبله.

في صغري، كنت أعیش في قریة جمیلة جدا، أشجارھا كثیرة، خضراء یانعة، وعیونھا صافیة، عذبة. وطیورھا مغردة على الدوام. كانت المكان الذي أردت دوما أن أعیش فیه وإلى الأبد. في ھذه القریة المسالمة ُعرفت بكوني الفتاة الشقیة لوالدي، تتبعني كل بنات الجیران -ممن ھن في سني أو أقل- إلى أي مكان أذھب إلیه، حتى أنني كنت ألقب بألقاب عدیدة من قبیل: أم البنات! غالبا إذا ما استفقدت أم طفلتھا كان لابد للأخریات أن یذكرن إسمي على ألسنتھن كأول خیار في نقطة البحث؛ وكان ھذا الخیار أبداً یصیب.

دوما كنت أسحب الفتیات الصغیرات خلفي، نقفز ھنا وھناك ونمثل أدوارا وھمیة، نجعل من كیس بلاستیكي حقیبة فاخرة تضاھي الماركات العالمیة، ومن غطاء عبوة التوابل صحنا للطعام. نتبادل القبلات ونجلس بأناقة ملكات العصور الوسطى. غالبا لأجل الحصول على كل ماسبق نبحث ھنا وھناك عن كل قنینة تم رمیھا لنجعل منھا آنیة في مطبخنا الخیالي، أو كرسیا فاخرا في غرفة الجلوس التي لم یرھا سوانا؛ وھذا ما جعل الكل یبغضني، فدائما كنت أنا رأس المخطط وأنا من تدفع الفتیات لیعبثن بالقمامة والبحث في أعشاش الأفاعي. لم یعلم أحد قط أنني أحببت الفتیات مثلما أحببني، كنت أتبعھن مثلما یتبعنني. لم توجد رأس للمخططات، ولم یكن ھنالك فتاة شریرة تدفع الصغیرات للعبث بأعشاش الأفاعي بحثا عن عبوات فارغة للعب؛ كانت ھناك فقط فتاة صغیرة ترید أن تلعب. بل إني كنت الأكثر غباء وسذاجة من بینھن وكانت كل الفتیات الأخریات ناضجات، قادرات على رد الكلام وجلد الناس بألسنتھن. لكن لم یفھم أحد ذلك.

غلاف القصة:

12/4/1014.

ذات یوم مشمس؛ ذھبت والدتي لغسل الثیاب في وادي القریة، كان وادي ضخم تزأر میاھه كزئیر الأسد وتتدافع بقوة كأنھا جبال تنھار، لكن الآن اختفت المیاه ولم یتبقى سوى طحالب خضراء تقفز فوقھا الضفادع.

یومئذ بقیت أنا في منزل زوجة عمي لألعب مع الفتیات ولم أرافق أمي. وبینما كنت أركض ھنا وھناك إذ نادتني إحدى الفتیات كي نذھب وراء المنزل للعب. ھناك وجدت صدیقاتي الأخریات مع ابن عمي، یجلس فوق قنینة غاز فارغة في انتظاري.

كانت لدي عادة غریبة وأنا صغیرة، إذ كان كل رجل بالغ یبدوا لي شھما وحنونا. لا أعرف لماذا! لكني ظننت ذلك في كل رجل رأیته، ودوما ما اتضح لي العكس. لقد و ّل زمن الشھامة والرجال، الآن لم یتبقى سوى الذئاب؛ وقد كان ھو أول ذئب قابلتھ ثم سریعا تحولت حیاتي لغابة ملأى بالمفترسین.

جلس ھناك بثبات ساقیه منفرجتان وینظر لي بابتسامة لم یستطع عقل طفلة مثلي أن یقرأ خوافیھا. طلب منا أن نلعب لعبة بسیطة جدا؛ سیدعني ألمس عضوا حساسا في جسمھ، ثم علي بدوري أن أسمح له بفعل المثل…في جسمي.

ترددت؛ بالفعل كنت طفلة غبیة لكن حتى الأغبیاء لدیھم فطرة وحدس خلق فیھم لینبئھم وقت الخطر. نظر لي نظرة مطمئنة وقال أنه لا شيء مخیف. ستقوم كل الفتیات الأخریات -وقد كن أخواتھ من الأب- بفعل نفس ما أفعلھ، فقط جزءه الخاص. أعتقد أن عقله القذر لم یصل لدرجة یستبیح بھا لنفسه أخواته؛ لكن لا بأس بابنة عمھه الخرقاء.

فعلن؛ وفعلت وقد كنت كالغبیة إذ انسقت وراء ذلك. واستمرت اللعبة حتى انتھى دوره وجاء دوري. ساقني نحو زریبة الماعز التي كانت بالقرب منا، ومد یده دونما خجل لیستبیح جسدي البريء لنفسھ. متى استیقظت؟ وكیف؟ لست أعرف كل ما أذكره ھو اقترابھ منھ ویداه… یداه القذرتان، أود قطعھما.

باب الزریبة الذي كان ثقیلا على طفلة مثلي فتح مثلما فتحت الأبواب لیوسف. والسرعة التي ركضت بھا لأعود لأمي كانما الأرض طویت لي. وصلت إلیھا، أبكي، أنھج وأتمتم بكلمات لا یتذكرھا عقلي.

كانت تلك من المرات النادرة التي تستمتع فیھا أمي لي، فأنا دائما كنت أقع في المشاكل مع الآخرین لاني »أم البنات«. لكن ھذه المرة قد تركت أمي ما في یدھا. ھرعت لي محتضنة ومسحت على وجھي برداء ثوبھا المبتل. كان صوتھا مھتزا أكثر من صوتي وھي تسأل باصرار »من؟ من؟«. عندما نطقت اسمھ، اسودت الدنیا في عیون أمي، جرتني وراءھا بعزیمة أم تحترق كبدھا وتركت الغسیل مكانھ، لم تھتم بجمعھ… أي غسیل یھم الآن؟

عقل طفلة مثلي لمن الصعب أن یستوعب ما حصل جیدا بعدھا، كل ما أذكره أن أمي اقتحمت مجلس النساء- في بیت عمي- صارخة ، تجرني خلفھا وتقطر ثیابھا ما ًء، بینما رأسھا معصوب بقطعة بیضاء.

المثیر للسخریة أن زوجة عمي وھي تحاول تھدئة أمي الھائجة نظرت لي وقالت »كان علیك أن تقصدیني أولا«.

لحظتئذ فعلا شعرت أنھ لربما كان علي أن اتیھا أولا فھي كانت الأقرب الي؛ فقط خطوتین. لكن ھل كانت زوجة عمي؛ رغم لطافتھا، رغم حبي لھا الشدید. لتكون بمنصب أمي؟ ھل كنت زوجة عمي لتمسح وجھي وتحتضنني، ھل كانت زوجة عمي لتضاھي منزلة أ ٍّم في قلب طفلة مرعوبة كادت برائتھا تنتھك؟ ھل كان حضن زوجة عمي لیطمئنني كما حضن أمي؟ كلا، أعرف یقینا أنھ مھما تكرر الزمن والأحداث نفسھا، فإني سأركض دوما لأمي ولو كانت تغسل غسیلھا في نھر النیل.

لكن لیس ھذا ما یھمني الآن، ھذه القصة القدیمة لا شيء یخفیني فیھا أكثر من »ماذا لو؟« ماذا لو نال مني؟ ماذا لو كان الباب الثقیل أقوى من أن یفتح لي؟ ماذا لو وألف ماذا لو.

أعرف یقینا الآن، أن كل روح في ھذه الدنیا محاطة دوما بالذئاب. لكن لولا ستر الله لما بقیت روح واحدة منا. نحن لاشيء لو ستر الله.

أنا؛ تلك الطفلة البائسة لولا حفظ الله لھا لما فتح الباب، لولا حفظ الله لھا لما طویت الأرض. لولا حفظ الله لھا لما دق ناقوس الخطر. لولا حفظ الله لما كنت ھنا، أسرد قصتي في مذكرة سوداء.

انتھت، بفضل الله

نحن لا نساوي شیئا في ھذه الدنیا لولا حفظ الله وستره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *