عندما بكت المرأة التي لا تبكي

كانت تلك هي المرة الأولى التي تقف فيها لوحدها على الخشبة، لم يكن هناك ليصفق لها ويمنحها الثقة بعينيه مثلما اعتادت دائما؛ لأول مرة تشعر بأن نصفها غير موجود والأيقونة التي كانت تشع بريقا لأدائها خفتت ولن تعود كما كانت ذات يوم، وحين قرأتْ استفسار الجميع عن غيابه استجمعتْ كامل قواها لتصدح أخيرا بصوتها الذي لا مثيل له :” سألوني الناس عنك يا حبيبي  .. كتبوا المكاتيب وأخذها الهوى.. بِيعِز عليّ قِلُّن يا حبيبي  .. لأول مرة ما بنكون سَوى..”هنا بكت مثلما لم تبكِ من قبل ولم يستطع كبرياء هذه المرأة قتل تلك الدمعة على مذبح الجفن. بكت لأنها الوحيدة التي كانت تعرف معنى الفقد، معنى أن تصير وحيدة بعد رحيل عالمها الذي كانت تأوي إليه في لحظات فرحها وانكسارها.تلك كانت هي الكلمات التي تحولت فيما بعد إلى أجمل وأعمق لوحة غنائية أبدعها الرحابنة مُوَقِّعين على بداية عهد جديد للموسيقى العربية، غنتها فيروز عند رحيل رفيق عمرها وفنها وشريك حياتها ونجاحها عاصي الرحباني.عاصي الذي قال عنه ذاتَ قصيدةٍ صاحبُ الهوامش على دفتر النكسة، نزار قباني: “هو الذي شجَّعنا على أن نذهب لمواعيدنا فذهبنا.. وهو الذي علمنا أن نكتُبَ على ضفائرَ حبيباتنا فكتبنا”أغنية “سألوني الناس” التي أبدعها الأخوَان الرّحباني ولحّنَها سليل الكلمات المعبرة واللحن الأجمل نجل فيروز وعاصي زياد الرحباني الذي لم يكن يتجاوز بعد ربيعه السابع عشر، ليست مجرد أغنية عادية إنها حكاية حياة وملخص لمشوار شخصين جمعتهما الكلمات الدافئة والمشاعر الصادقة.كتبَ منصور رحباني كلمات هذه الأغنية وغنتها فيروز بعد دخول زوجها المستشفى وهو ما لم يعجِب عاصي بعد سماعه إياها معتبرا الأمر متاجرة بمرضه، غير أنه هدأ وعدَل عن فكرة منعها من الانتشار أمام إقبال الناس عليها وحبهم لها، لتصبح فيما بعد رسالة وداع على شكل استفهام ترددها سوبرانو العرب في حفلاتها بعد رحيله.تقول فيروز “حبيت صور عاصي ومطارحه دخلت عليا وما عاد فيي اطلع منها صارت هيي عالمي. كانت حياته قصيرة بس ملياني شغل وتعب، ما كان يرتاح لا ليل ولا نهار.. زيارته عَ الدني كانت قصيرة زرع جمال.. ترك لنا جمال كتير وفَلّ بَكِّير..”وعن كمية الوجع والحزن الذي ظل ملازما لفيروز رغم وقفتها التي تشبه إلى حد شامخ شجرة الأرز الفارعة، إلا أن كلماتها هاته تفضح الألم الكبير العالق بتلابيب قلبها وعينيها.تقول فيروز: “عيلتنا متل التراجيديا الإغريقية..الفرح فيها شي موقت والحزن والألم هو الأساس.. وفرحنا الموقت كان الحلم والحزن كان الحقيقة.. بس ما كنت أعرف هالشي، ما كنت أعرف إنه الإنسان إذا ضحك راح يبكي ألف دمعة مقابل هالضحكة..”

اليوم، حين أسمَعُ هذه الأغنية تجتاحني مشاعر مغايرة عن تلك التي كنت أشعرها قبل معرفة قصتها، وما أكثر الأغاني التي نتهادى معها كـزهرة “لوتس” عائمة وهي تحمل بين دفتيها قصة حياة كاملة بفصولها الخمسة وبشموسٍ كثيرة وأقمار أكثر..

 المصادر: – جريدة الشروق الإلكترونية  – مجلة العربي

_______________________

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *