أفيون “التسلط”

خلال القرن 19، قامت الصين بمنع الإمبراطورية البريطانية -حينها- من زراعة الأفيون واستيراده، لتشن بريطانيا حرباً ضروساً بسبب الأرباح التي كانت تجنيها من تجارة الأفيون في الصين، التي أرادت أن تُجنّب شعبها خطر المخدر.

إن الأفيون الحقيقي هو أفيون العقلية الاستعمارية والتسلّط الذي أدمنت عليه بريطانيا؛ فبعض السُّلط تدمن هذا المخدر الخطير وتستعمله حتى دون حتى وجود معارضين.. هذا ما تستنتجه من واقعنا الحقوقي المتردي، فلا وجود الآن لمجموعات ثورية تريد الانقلاب، ولا لمعارضين شرسِينَ يستطيعون حشد “الجماهير”، ولا لنقابات تستطيع تدبير مظاهرات، لكن السلطة مدمنة على التسلط حتى على حساب صحافيين يحاولون إيجاد نقطة ضوء في قطاع معتم، أو على حساب جمعيات حقوقية وأحزاب بالكاد تؤمّن ثمن كراء مقراتها. لكن يد السلطة تحتاج لتدخين سيجارتها التي تدس فيها هموم من صدقوا العهد الجديد، نسوا أن السلطة المدمنة لم تدخل مراكز معالجة الإدمان لتأخذ جرعات الديمقراطية التي تشهرها عندما يختفي المعارضون فتحاول إقناع آخرين بحسن نواياها ليجدوا أنفسهم أمام سلطة تنتشي بطموحاتهم.

إن حال ديمقراطيتنا الهجينة كحال من وضَع مسرحية، لكنه وجدها مملة فقتل مَن هم على المسرح لتبدو المسرحية ملحَمة وتراجيديا ملهمة، كما كان الأمر في السنوات الماضية حيث كانت الجرعات متوفرة.

من الصعب على نظامٍ سياسي لم يتحول في جوهره، وإنْ تغيّرت استراتيجياته، أن يُغيّر من تعامله وهو يهوى صناعة الإطارات حيث يتيح لك التحرك.. تختلف الإطارات وقد تبدو أقل سلطوية، لكنها رهينة بسياق فقط ولا تختفي.

في سنة 2011، خرج شباب “حركة 20 فبراير” فتمخّضتِ الوعود عن مرحلة جديدة، لكن حراك الريف أظهر وجود الإطار، الذي مازال يضبط المشهد ويحمل وسَطه صورة خاضعة، كما أظهرت كذلك بعض الأحداث الأخيرة، ليبقى السؤال: “هل تخاف السلطة من أن يعصف بها مناخ ديمقراطي؟ ألن يكون مزيد من الاحتقان والتذمر أشدّ خطورة ؟”

يحكى أن حاكماً قال لجُنده مَن يستطيع أن يصطاد هذا الطائر فقام أحدهم فتمكن من الإطاحة بطائر ببراعة، ولكنه قُتل! لأنه أبان براعته وفي الوقت نفسه كان الحاكم سعيدا بذلك..

____________________

ملحوظة هامة : الآراء والمواقف الواردة في التدوينات لا يتحمل مسؤوليتها فريق مدونة زوايا ، بل تلزم أصحابها فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *