الأرض في الميزان

تنذرنا الحاجة البشرية إلى أن ترشيد استغلال الموارد الطبيعية ما هو إلا شعار اتخذته دول عظمى مطية لإشهار مفهوم التنمية المستدامة، والذي ابتدعته ليكون علامة للاستثمار في هذه الموارد الطبيعية بشكل أكثر توحشا، ولتظهر هذه الدول بشكل أكثر توهجا في عالم الخلق والإبداع؛ فالحاجة إلى الخبز كما الحاجة إلى الماء والطاقة تزداد مع تواجد البشر [السيء] وهذه أدنى المؤشرات المنطقية التي تبرز لنا استمرار البشرية في استغلال الموارد الطبيعية، ومن البديهي تواجد النظرة “الظاهرية” الداعية إلى الاعتقاد بأن كل المتغيرات المناخية والتهديدات البيئية هي وليدة القوانين الكونية. نعم، يمكن القول بذلك، إلا أنه لا يستلزم مظاهر التسارع التي باتت تعرفها المجالات البيئية الأكثر تهديدا [على الأقل]، و هو من الناحية العلمية ما حاولتْ وماتزال تحاول اللجنة البين حكومية التابعة للأمم المتحدة المعنية بالمناخ، تحاول تفسيره وفقا لما يظهر في هذه الأرض المشتركة من “تلوث”، يبعث بتداعياته ونتائجه السلبية على الإنسان كما غيره من الكائنات الحية، وذات اللجنة تحذر على الدوام من انعكاسات التهديدات التي تتعرض لها المنظومة البيئية على الموجودات الطبيعية أي النظام الإيكولوجي المعتبر والخارجي [الكوني].
ولقد أظهرت الكتابات القديمة والحديثة هذه الانعكاسات خصوصا في المؤلَّف الشهير للباحث الكبير “آل كور” حيث ذكر في كتابه : “الأرض في الميزان” : إن الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها هي أن نظامنا الاقتصادي كفيف البصر جزئيا، إنه يرى بعض الأشياء ولا يرى البعض الآخر، إنه يقيس ويتابع بعناية فائقة قيمة الأشياء التي تمثل أهمية قصوى بالنسبة للبائعين المشترين، مثل الغذاء والكساء والسلع المصنعة والعمل، والنقود نفسها في الواقع. ولكن حساباته المعقدة غالبا ما تتجاهل تماما قيمة أشياء أخرى يصعب بيعها أو شراؤها: الماء العذب، الهواء النظيف، جمال الجبال، الغابات الغنية بأشكال الحياة المتنوعة، وهذه كلها هي بعض من كل. والحق أن العمى الجزئي الذي يعاني منه نظامنا الاقتصادي القائم هو أقوى عامل منفرد يدفعنا إلى اتخاذ قرارات غير رشيدة فيما يتعلق بالبيئة العالمية.
وما الحديث عن الوقائع والكوارث الحالية إلا حديث عن المال والأعمال .. ماذا تنتج الكوارث الطبيعية حتى نعتني بها ؟ إلا إنفاقا في إنفاق، والطبيعة الجارحة لا تهدأ، الحجر ينشق أو يتساقط والشجر لا يعطينا سوى الأكسجين، ونحن لا نتكلف عناء في قتل البشرية جمعاء .. حتى نظفر بالثروة – أكبر قدر من الغنى – فبعض الكوارث الطبيعية هي أداة التأثير على أنظمة معينة وأخرى أداة لاستعطاف المنتظم الدولي ووسيلة لدر المال : هِبات أو قروض بدون فوائد حتى .. والنظر لا يختزل في حرائق الأمازون أو الوديان الثائرة على سوء الاستغلال أو حتى المقالع التي تجرها أمواج البحر إلى بطون الحيتان ..
أيتها الطبيعة ! بأي لغة تتحدثين !؟ أرجوك ! خاطبينا بقدر عقولنا فنحن أغبياء .. وسوطُك غير مُجدٍ نفعا أمام رؤوسنا المتحجرة .. أدعوك أن تليني لنا فالمداخل كثيرة (القانون، التربية، الاعلام ..) لكنها بدون جدوى ،،
أيها البشر : “انتهى الكلام” .. والأرض كانت ولا تزال في ميزان البشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *