تدوينة متصدرة

إنّما نشكو بثّنا إلى الله !

علي بنهرار يدوّن عن مأساوية وعبثية المشهد الإعلامي المغربي

لِنَقرأ الفاتحة جماعةً، ولنسأل الله أن تكون فاتحة خير وزواجاً شرعيّاً ومشروعاً بين الصِّحافي والصِّحافة المغربية، ونتمنى أن لا يُثقل الزوج كاهل الزوجة مجدداً بخروقاته الجسيمة، وممارساته الشاذة واستسهاله حُرمتها المصونة، وأن يجابه الفساد ويقاتل بكل ما أوتي من قوة ليعيد لها عزها وشموخها، لأنها اشتاقت إلى قِيَمِ رجالٍ ضحّوْا في سبيلها وحَمَوْها بالمعنى التام للكلمة.. لم يتواطؤوا ولمْ تغرّهم الأموالُ ولا باقي الإغراءات، ولم تُثْنِهِمُ الإرغامات ولا العقوبات. لعلها تمُرّ بـ”نوستالجيا” لعهد بوبكر الجامعي وعلي عمّار وعلي المرابط وأحمد رضا بنشمسي، الذين دشّنوا تجربة حداثية سابقة لأوانها آنئذٍ، سيَما في فترة التسعينيات.

لقد بدأ مسلسلُ الانحدار والتراجع رويداً رويداً بعد اعتقال الصّحافي رشيد نيني، الذي حاول خلال الألفية أن يُتم مشوار صِحافة جادّة ومسؤولة ومستقلة، إلا أنه تعثر عشيةَ العُقوبة السّجنية. وهنا أطلقت الدولةُ ذبابها الإعلامي في كل مكان ليضمن مصالحها ويمرر أُدلوجَتها، ويساهم في تكريس فلسفتها في رفع الأقلام وإخراس الألسُن المعارِضة، عن طريق القوانين الزجرية والجائرة والرجعية، وبعد ما عُرف بـ”الربيع العربي” عَلتِ الدعوةُ من جديد إلى تحديث قانون الصحافة وتعميق الحريات الأساسية بالبلاد، وهو ما استجابت له الدولة وصادقت على القوانين 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، وكذلك 90.13 بإحداث المجلس الوطني للصحافة، وهي ترسانة قانونية ترنو إلى تقنين المشهد، على الأقل بشكل مقبول نسبياً. غير أن الغريب في الأمر أن هذا العهد تحديداً الذي كان يُنتظر منه أن يرقى بأداء السلطة الرابعة اقتداءً بنماذج كونية رائدة، شهد زخماً من إعلام الباطرونا وإعلام البروباغندا، الذي عَضّدَ التطاحن الاقتصادي من جهة والصراع الدّعائي من جهة ثانية بين المنابر الوطنية، ومن ثمة علا نجمُ صحافة التفاهة والخواء المِهْني والتشهير بنسبة غير مسبوقة، حتى أضحت تستأثر بالكثير من الاهتمام عند المثقف كما عند العامي.

حسب اعتقادي، أرى أن النفخ الإعلامي في التفاهة الذي غدونا نراهُ الآن هو في حد ذاته تسفيهٌ للدور المنوط بالإعلام في مجمله. كفانا إجحافاً وتهجُّماً على المنابر التي اختارت الشعبوية كوسيلة للوصول إلى الجماهير، ولنعترف بالتعددية المشروعة الكامنة في المشهد الإعلامي رَغم اختلافنا معها وفراغها في شتى المناحي. إن ما ينخر الإعلام، شكلاً ومضموناً، ليست هي الظواهر “الإكشوانية” التي استفحلت كما يظنّ البعض، بل إنه التخاذل الذي تنهجه الكثير من المؤسسات الإعلامية بعد أن أصبح المشهدُ سوقاً اقتصاديةً مُدرّة للدخل أكثر من أي شيء آخر، وأمسى الخوف على الإشهار هاجساً، ولم يعد ثمة رهان للمهنية أو الحنكة التحريرية، بقدر ما بات التسيب هو سيّد الموقف، فضلاً عن السعي وراء تصفية حسابات فكرية وأُدْلُوجِية على حساب نُبل رسالة الإعلام، ولعل ذلك ما لمسناهُ بعمقٍ في قضية كل من بوعشرين والمهداوي وهاجر الريسوني مؤخراً.

تقرؤون أيضاً على مدونة زوايا

وطبعاً يحقّ للكل أن يتساءل من يقف خلف فيالق “الصحافة الصفراء”؟ ومن يحمي صحافة التشهير والتضليل التي استأسدت؟ هل يمكن إبعاد الدولة من هذه اللعبة القذرة؟ لا أظن ذلك. هل سينجح المجلس الوطني للصحافة في القضاء على هذه المعضلات الجوهرية في الصحافة المغربية؟ وما مدى واقعية “ميثاق أخلاقيات المهنة” الذي عمِل المجلس على تسطيره؟ وإلى متى ستظلّ النقابة الوطنية للصحافة تركن للانتقائية؟

صراحةً، نحنُ لا نبرعُ سوى في البكائيات والشعارات في العوالم الافتراضية: #الصحافة_ليست_تفاهة .. إن الصحافة ليست بحاجةٍ لأحد كيْ يُنَصّب نفسه محامياً لحمايتها. لقد أثبتت كونياً أنها سلطةٌ قائمةُ الذات، بناءً على الممارسة السليمة والمضبوطة، فالحَرِيُّ بنا أن نتساءل: لماذا هذا التقاعس محلياً والانشغال بالتفاهة؟ قد لا يجد أحدٌ منا الجواب قطعاً، لأن البحث عنه بات مشغولاً بالتنقيب عن أخبار الضجة الفارغة ذات الاستهلاك السريع التي لا تمتّ لهموم المتلقي أو القارئ بصلة وتبرَعُ في نخر أعراض الناس.

إن الدّيمقراطية الهشّة التي يتخبّط فيها مجتمعنا جعلت أفق الإعلام محدوداً جداً، ورسمت له خطوطاً لا يتعدّاها

علي بنهرار

بالموازاة، لقد تدنسَ شرفُ “صاحبة الجلالة” بفعل ظهور مفردات دخيلة “كصحافة المواطن”، التي أنا ضدها مطلقاً. حيثُ في وجهة نظري يمكنُ منطقياً أن يكون المواطن شاهداً أو بادلاً لمجهود لكشف الحقيقة فقط، بيد أنه ليس صِحافياً، فلا يعقل أن يكون أي مواطن عارفا لأبجديات الاشتغال الإعلامي المهني والاحترافي، وإلا فسنقول كذلك الطبيب المواطن والأستاذ المواطن…إلخ، وهذا غيرُ مقبولٍ ومسيءٌ جداً!

لعل التّصالح المبدئي أو العملي مع أشياء مماثلة يحز في نفسِ أي شخصٍ يريد أن يمارس الإعلام في استقلالية -ولو أن ذلك غير ممكن نسبياً-. إن الحقيقة تقتضي التخلص من هَوَس الأُدْلُوجة (الأيديولوجيا بلغة العروي)، لأنها قناعٌ يجعلنا نرى كل قضايا المجتمع بعواطفنا، وهذا يتعارض تماماً مع عقلانية الإعلام وماهيته وهذه فحوى الصراعات الطاحنة بين المنابر المغربية.

إن الدّيمقراطية الهشّة التي يتخبّط فيها مجتمعنا جعلت أفق الإعلام محدوداً جداً، ورسمت له خطوطاً لا يتعدّاها، والأخطر أنه يفتقد إلى نظريات بيداغوجية بنيوية أو دراسات تربوية مُواكبة لما يحصلُ الآن في المشهد الإعلامي المغربي.. أمام كل هذا؛ لا يسعُنا إلا أن نقول جماعةً: “إنما نشكو بثّنا إلى الله” من إعلامٍ فاسد أفسَد كل شيء!

ملحوظة وإخلاء المسؤولية :

 الآراء والمواقف الواردة في التدوينات لا يتحمل مسؤوليتها فريق مدونة زوايا، بل تلزم أصحابها فقط.. وبه وجب الإعـلام والسَّــلام!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *