الجزء #4 | المغرب .. تـاريخٌ مُثقل وحاضرٌ حافل بالمديونية، فـماذا عن المستقبل ؟!

سلسلة الاقتصاد | المديونية بين نهج الدول المتقدّمة والدول النامية

قبل الخوض في تشخيص وضعية المديونية في المغرب، يرجى الإشارة إلى أن الدين العمومي يشمل دين الخزينة العامة (dettes de trésor public) وديْن المَضمون؛ وهو أن تضمَن خزينة الدولة مؤسسةً عمومية معيّنة من أجل أخذ قرض بنكي. وقد حدث ذلك مثلًا مع المكتب الوطني للسكك الحديدية.
والآن دَعُونا نضعكم أمام نبذة صغيرة عن تاريخ المغرب الحافل بالمديونية.

تاريـخٌ حافـلٌ بالمديونية

هل تعلم أيها المواطن المغربي أن:

  • المديونية هي التي فتحت الباب في وجه الاستعمار، وهي مَن أدخلت سياسة التقويم الهيكلي لاقتصاد المغرب (plan d’ajustement structurel ) المعروف اختصاراً بـ “PAS”، في الثمانينات على يد صندوق النقد الدولي، بعد أن وقّع المغرب أول اتفاقية معه سنة 1964 حتى يستطيع تجاوز أول أزمة مالية عرفها بلدنا العزيز.
  • هذه الهيكلة تعني تنفيذ إملاءات تخدم دول الشمال، جعلت من المغرب بلدا يُنتج ليُصدر حتى يستورد ما يستهلكه. وبما استهلاكنا يفوق إنتاجنا، فهذا يعني أن عجزنا التجاري سيرافقنا ما دمنا نعمل بهذه المعادلة المفخّخة.
  • ما بين سنة 1970 وسنة 1990 تطوّر الدين الخارجي بشكل مذهل، إذ انتقل من 750 مليون دولار إلى 75 مليار دولار، في ظرف عشرين سنة فقط! وهذا ما جعل الحكومة في بداية التسعينات تتجه إلى سياسة الخَوْصَصة.
  • في سنة 2001 باعت الدولة 70% من نصيبها في شركة اتصالات المغرب تفاديا لسيناريو الإفلاس، وهو حرمان دائم من مداخيل مهمة لشركة هي الأهم حاليا في سوق الاتصالات في المغرب.
  • ما بين سنة  1983 وَ 2011، سدد المغرب إلى الخارج ما يفوق 115مليار دولار، أي ما يعادل 8 مرات دَيْنه الأصلي!
  • منذ سنة 1992 عمِل المغرب على تحويل ديونه الخارجية الي ديون داخلية، مما انتج سيطرة الرأسمال الأجنبي على قطاعات استراتيجية. وتباعا لهذه الاستراتيجية ،قفز الدين الداخلي من 88 مليار درهم الي 346.8مليار درهم! هنا ستظن أن الوضع أصبح أحسن، إذ من الجيد تحويل الدين الخارجي إلى دين داخلي، ولكن ما لا تعلمُه أيها المواطن العزيز؛ هو أن كبار رجال الأعمال الرأسماليين هم مَن قاموا بشراء سَندات الحكومة.. فالطبقة البرجوازية المرتبطة بالسلطة والمستحوِذة على ثروات البلاد هي وحدها من تستطيع شراء سندات تفوق قيمتها مليارات الدراهم.. هي عملية نقل للمِلكية لا غَيْر، من مستعمر أجنبي إلى مستعمِر داخلي.

تقرؤون أيضاً في سلسلة تدوينات الاقتصـاد

  • المغرب يسدد كخدمات للدين العمومي أرقاما تفوق توقعاته، فمثلا سنة 2010 صادق البرلمان على 38.2 مليار درهم؛ في حين أنه تم تسديد ما يفوق 117 مليار درهم، تخيّل معي!  كما أن أداء رقمٍ كهذا لن يتمّ إلا على حساب ميزانية الخدمات الاجتماعية، كالصحة والتعليم التي لا تتجاوز 5% من ميزانية الدولة.
  • كلُّ زيادةٍ بـ 0.1% في نسبة سعر الفائدة على مستوى السوق الدولية مقارنة مع النسبة المتوقعة في قانون المالية تُكلّف الخزينة ما يقارب 7 مليون درهم!
  • المجلس الأعلى للحسابات قد حذر، سابقاً في إحدى تقاريره، من مستوى المديونية التي وصلت حاليا  الى 970 مليار درهم، حيث يمثل الدين الداخلي حوالي 70% من هذا المجموع، وهو رقم مُفجع يجعل تحقيق هدف حَدّ المديونية في 60% من قيمة الناتج الداخلي الخام في حدود سنة 2021 أمراً شبه مستحيل.
  • حسب تقرير المؤسسة ذاتها لسنة 2017، فإن المغرب هو العاشر عربيا من حيث المديونية، ولعله تقدم في ترتيبه في هاتين السنتيْن الأخيرتيْن.

المغرب والحَلقة المُفرَغة للمديونية

Budget de l’année 2018
Total de la dette publique61,84 MM DH
Total des dépenses de la dette publique61,84 MM DH

يُبيّن الجدول أعلاه أن مجموع الدين العمومي لسنة 2018 هو 61.84 مليار درهم، وأن مجموع نفقات سداد الديون للسنة نفسِها هو 61.84 مليار درهم… إنها ليست صدفة تطابُق في الأرقام، وإنما دليل على أن الدولة أصبحت تقترض لا من أجل الاستثمار وتحسين جودة الخدمات العمومية، وإنما لأداء ما عليها من التزامات متعلقة بالديون المتراكمة.

في سنة 2019، يتكرر السيناريو نفسه تقريباً؛ توقعات الدين هي 76.20 مليار درهم وتوقعات نفقات الدين هي 67,24؛ أي أن ما يفوق 80 في المائة من قيمة الدين تذهب في سداد الدين.

إنّ ما يزيد الوضع سوءاً هو تذبُذب وعدم انتظام معدل نمو الاقتصاد المغربي، حيث حققنا نسبة 4.3% سنة 2015، وتراجعت النسبة إلى 2,6% في السنة الموالية، لتُعاوِد الارتفاع إلى 4,1% سنة 2017؛ انخفضت من جديد في سنة 2018 حيت سجلنا 3,1%، ويتوقع أن لا تتعدى 2,9% نهاية العام الحالي.

محدودية النمو الاقتصادي تزيد من عجز الميزانية ، ولسد هذا العجز يبقى الحل هو الاستيدان.
هنا؛ قد تجدر الإشارة إلى أنه صدر مؤخرا عن صندوق النقد الدولي تقريرٌ بعنوان “إحصائيات الديون العالمية” 2020؛ حيث حذّرت هذه المؤسسة المغرب من إمكانية حدوث أزمة اقتصادية أثر ارتفاع الدين العمومي المغربي بشَطريْه ؛ على المدى البعيد كما المدى القصير.

تحليل الوضعية

لا يمكن أن نُنكر أن المغرب قد استثمر ديْنه  طوال عشرين سنة الماضية في إنجاز استثمارات عمومية خَصَّتْ على وجه الذكر البنيات التحتية- القطار فائق السرعة خيرُ مثال على ذلك – إلا أنها تبقى مشاريع ذات نجاعة محدودة لا تحقق أي إضافة لشريحة كبيرة من المجتمع المغربي، علاوة على أنها مشاريع لا تدر أرباحا كافية لسدّ ما علينا مِن ديون.

نعلم أن المغرب بلد لا يتوفر على موارد طبيعية مثل البترول، لذا تبقى المداخيل الجبائية هي المورد الرئيس لميزانية الدولة، وهكذا فإن على الحكومة أن تختار بين حلّ بنيوي يخص إصلاح السياسة الجبائية إصلاحا حقيقيا، وهو خيار صعب ولكنه الحل الجذري والأمثل، وبين أن تتوجه إلى المديونية؛ ولا يوجد ما هو أسهل من ذلك. وحكومتنا تميل لكل مُتاح سَهلٍ لا مَنيع.

صحيح أن المغرب يقترض في السنوات الاخيرة داخليا أكثر من الخارج، و لكنه لا يستجيب لأي شرط آخر من شروط الديْن الآمن.

المغرب له سيناريو معقد، لكنه ليس ببعيد عن سيناريو الأرجنتين أو سريلانكا… أظنُّها مسألة وقت لا غير، لأن سياسة الخوصصة وارتفاع المديونية دليل قاطع أن الأزمة قد وصلت ذروتها.

شرُّ البَلِيّة ما يُضحك

خلال إعداد هذه التدوينة، كنت أستمع لمداخلة محلل سياسي في برنامج يذاع على قناة ميدي 1 تيفي، والذي كان يعلّق على أبرز الانتظارات الاقتصادية والاجتماعية من الحكومة الجديدة، وإذا بي أستغرب من تأكيده على ضرورة الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية والدين الخارجي من أجل إنعاش الاقتصاد وحَلّ مشكلة البطالة وما جاورهما من شعارات واهية.

فسأله المذيع: وهل استفاد المغرب من هذا النهج سابقاً؟

هنا ارتبك نوعا ما وقال: للأسف، لا، لأن الدين يتطور بشكل أكبر من تطور الناتج المحلي، قبل أن يضيف: ولكن هذا لا يمنع من أن المغرب بعيد عن أي تخلف عن سداد ديونه، وقبل أن يكمل جملته كنت قد قمتُ بتغيير القناة.

لا يسعني سوى أن أضحَك من شدة حسرتي، ففي الوقت الذي يشدّد فيه كل من إدريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات، والخبير الاقتصادي نجيب أقصبي -المعروف بمواقفه الجريئة وصراحته وتعرِيَتِه للواقع – على حتمية الإصلاح الضريبي بالمغرب، نجد أنه لا زال هناك مَن يقترح الاستيدان كحلّ!

لعلّه يريد أن يضع المغرب في آخر النفق في أقرب وقت!

يُتبع ..

يُسعدنا استقبال تفاعلاتكم وردودكم وتعليقاتكم على سلسلة تدوينات الاقتصاد من خلال خانة التعليقات أسفله ؛ أو عبر مراسلتنا على البريد الرسمي المدونة [email protected]
يمكنكم أيضاً مراسلتنا قصد نشر مساهماتكم وتدويناتكم على البريد نفسه مع صورة شخصية وصفة المدون.
كل التحايا من فريق مدونة زوايا


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *