مشهد مقتضب لمآسي الجنس اللطيف

أحَسَّت بغصة حارقة في حلقها وهي تراقب آخر حرف يتطاير من فمه كالسم الزعاف…خانتها الكلمات فلم تجد ردا شافيا يعبر عما في دواخلها من تحطم وانكسار، وبقيت متسمرة على حالها في وقفة مستقيمة هزيلة تراقبه بوجه ملائكي مصدوم وهو يوشك على النهوض والاقتراب منها من جديد كوحش ضار لا قيود له ولا سلاسل تكبله؛ حتى من قيمه ومبادئه قد تنازل عنها ورماها خلف ظهره دون أدنى اعتبار… كانت تلمح في عينيه الخيانة بأبشع صورها وتعلم يقينا أنها ستنضاف إلى قائمة ضحايا مشواره الغرامي المزيف، لكنها بالرغم من رقتها وقساوة المنظر المحيط بها لم تبعد عينيها عنه ولو للحظة واحدة، كأنما أرادت أن تقول في عزة شبه مخبأة أنها لا تخافه و لا تهابه، وأن المواجهة والقتال لأهون عليها من الاستسلام لأياد قذرة لا تعرف للرحمة سبيلا… هكذا هي عدالة الحياة اللعينة، دائما ما تسلط بطشها على أشد الناس طيبة وأحسنهم خُلقا… في حين تحظى الوحوش البشرية بنعيم تام لا ينقضي مستمتعة بخيرات الدنيا ولذَّاتِها حتى إذا كان الأمر على حساب الفئات المستضعفة… وخير ما نعزي به أنفسنا هو أن لنا ربا رحيما عليما بما نعانيه ونمر به من صعاب وبوائج…

لا تزال دقات قلبها الصغير تتصارع إلى الآن مقابل كل خطوة يخطوها باتجاهها بوجهه المتوحش المكفهر، تكاد قسمات جبهته العريضة تظهر جليا بفضل أشعة الشمس اللامعة التي غطت المكان نورا؛ هذا النور سرعان ما تلاشى بريقه نهائيا عندما شد على ذراعها اليسرى بقوة وجذبها إليه محاولا إرغامها على الخضوع لمصيرها المأساوي المحتوم… ممزقا بأظافره الحادة جزءا لا بأس به من فستانها الأبيض، وهي تصرخ بأعلى صوتها طالبة العون والنجدة… فمن يخلصها يا ترى ؟

لاشك أننا جميعا قد صادفنا يوما مثل هذه الحالة الشاذة داخل أوساط مجتمعنا المغربي أو على الأقل سبق أن مررنا بها أثناء تسكعنا غدوا وعشيا بين أزقة المدن وضواحيها… هذه الظاهرة بطبيعة الحال ليست حكرا على المغرب فقط بل تشمل معظم بلدان العالم وبخاصة دول العالم الثالث لما تحمله من أفكار وثقافات وأيديولوجيات مشوهة ومغلوطة، تساهم في تكريس قداسة الرجل والتشهير برجولته وعظمته وتوسيع دائرة نفوذه وجبروته، بخلاف المرأة المحرومة من كل شيء   والتي يُنْظر إليها على أنها مجرد أداة متعة خرساء لا حول لها ولا قوة، بمعنى أنها ليست أكثر من مجرد جماد متحرك فارغ من كل محتوى إنساني… فهي في نظرهم كائن هزيل وضعيف وأن بقاءها على قيد الحياة مشروط بخدمتها للرجل والسعي لإرضاء شهواته ونزواته وكل رغباته الحيوانية مع الخضوع التام والمطلق لأوامره وطلباته المتكررة حتى لو دفعت في سبيل ذلك أثمن ما تملك، وهل هناك أثمن قيمة من كرامتها التي اندست قسرا وإكراها تحت الثرى فأصبحت لعبة مسلية يتسلى بها الرجل على كرسي عرشه المهيب…؟! 

أما السؤال المطروح سلفا والمتعلق بكيفية تخليص الجنس اللطيف من بؤسه ومآسيه وإخراجه من ظلمات العبودية والاستعباد إلى نور الحرية والمساواة فإنه يعرض أمامنا فيضا من الآراء والاقتراحات الجمة، التي لا حصر لها والتي تصب في مجرى واحد وهو الاعتراف بحقوق المرأة وحُرِّياتها وجهودها المبذولة للنهوض بمجتمعها، ويكفينا من هذه الآراء رأي واحد أرى أنه الأقرب إلى الواقع والأكثر نجاعة في تحقيق الغرض المنشود، ويتمثل في تغيير العقليات المتوارثَة جيلا عن جيل والعمل على تهذيب النفس البشرية وتقويمها من خلال التربية والتعليم والتنشئة الإجتماعية البناءة… فأساس التوافق بين الجنسين يكمن في ما يكنه كل منهما للآخر، ومادام أن الرجل لا يزال مصرا في غطرسته المعتادة على أنه السيد والمولى وصاحب القرار النهائى وأن المرأة لا تستحق أن تتساوى معه في الحقوق والحريات، فإن الصراع بينهما لن يزول بسهولة بل سيزداد حدة مع مرور الزمن إلى أن يقررا معا تغيير وضعهما وتوقيع ميثاق صلحٍ يناهض التمييز والظلم والعنف ويدعو إلى الحب والمحبة والتعايش السلمي ولا شيء آخر…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *