ذكورية تخنق رجالها

الكل يتحدث عن إنصاف المرأة، لكن لا شخص فكَّر ولو للحظة بإنصاف الرجل؛ وقد امتلك ذقنا وجعلته طريق العمل والصراخ المحتدم داخل رأسه يفقد ما تبقى من شعره، مضيعا في نفس الوقت متعة الأشياء التي لطالما أحبها يوما. 

الأمر غريب من ناحية الصياغة والاعتراف، حيث أن الثقافة الذكورية تخنق الرجل أيضا؛ تُملَى عليه كيفية اللبس والمشي وإلقاء السلام في الأعياد، حتى يبدو رجلا في كامل هيبته بعيد الأضحى بعد أن شحذ سكينه مناقشا الجزار بين الفينة والأخرى عن غلاء أثمنة الأكباش رغم أنه لا يفقه فيها شيئا.

 ينبغي أن يكون ذكرا يمشي مزهوا بشاربه ومشيته العسكرية، لا يحق له أن يكون نباتيا أو يناقش الإيكولوجيا. 

ينبغي أن يكون رجلا وكفى، بلائحة طويلة من الأشياء التي يجب أن يقتنيها، يغتنم الفرص ليُنفَى من منزله مجبَرا على ارتياد المقهى في أيام الآحاد الحزينة لنقاش السياسة وأثمنة الخضر والفواكه، والاستياء بمعية أصدقائه من كل شيء، بدءا من أنفسهم مرورا بعصابة أطفالهم وزوجاتهم اللواتي يتصلن في الهاتف كل دقيقة. 

الرجال حزينون حقا لا يذرفون الدموع، يختفون في المراحيض من أجل ذلك، فلا مكان للبكاء هنا ! فكيف يعقل لصورة الأب والقوامة أن يفعل ذلك ؟ ..يحمل قنيناته وخيباته لزيارة صديق “زوفري” (غير متزوج) يكتري بيتا من أجل الشر وسماع أغاني الشاب حسني، يتبادلان النصائح والاتهامات المجانية، والبكاء أخيرا كقطط تُركت تحت مطَر شهر دجنبر، طبعا المتزوج يبكي أكثر من صديقه، يمسح دموعه ويخجل من نفسه في الصباح.

بكاء الرجل يكشف ضعفه ويشبه بشكل أو بآخر المشي عاريا؛ وقد يكون الأمر أكثر إحراجا لرجل علمه المجتمع عدم البوح بهشاشة دواخله، ليضرب أخته التي لطالما أحبها فقط لأن أصدقاءه نعتوه “بالديوث”.

الأمر محير ومحزن حتى “التقدميون” لا يقْوَون على مغادرة عباءة الذكورة، يستشهدون بأن المرأة نصف السماء كما أشار ماو تسي تشونغ، يحفَظون مقاطعا جاهزة من كتابات سيمون دوبوفوار، مساندين صورة المرأة القوية التي نحتاجها في مجتمعاتنا، لكن كل التحاليل تختفي بمجرد أن يتعلق الأمر بلباس عشيقته ومشية قريبته .

“لا لا كيف يعقل ..؟ فلتذهب السعداوي للجحيم “

تناقض، تأنيب ضمير، حاجة للعناق، للبكاء وللاعتراف لطبيب نفسي يمتلك الكثير من الوقت، لمحاولة إصلاح ذاكرة وعينا الجمعي. 

لطالما امتعضت شخصيا من مشاهدة كرة القدم، تبدو لي رياضة مملة يعلق فيها جيلٌ الأملَ على شيء لا يستحق الكم الهائل من الانقسامات والعنف، إلا أن الأمر شبه مفروض يكمل به الشخص شهامته، فبمجرد أن يناقشني شخص عن مباراة البارحة أو خطة المدرب الفلاني أعتذر عن كوني لا أتابع المباريات، إلا أن الأمر لا يشفع تحاشي نظرات التعجب التي تخترقني كما لو كنت قد اقترفت ذنبا. 

للرجل طقوس شرب قهوة سوداء مرفوقة بكلمات متقاطعة، وإن كان الجو حارا فهذا لا يسمح له بشرب عصير البرتقال؛ عصير البرتقال والموز شيء يخص الفتيات … فيشرب قهوته ناظرا بوقاحة لفتيات الثانوي وهُنَّ يغادرن المدرسة على رأس كل ساعة دون أن يخجله الأمر، أو أن يتأسف على انحطاط ما يفعله.

النساء وعَيْن بِكَمِّ البؤس الذي تسببه الثقافة البطريركية الأبوية لهن، لكن الرجال لم يعوا ذلك ليحتجُّوا بل تمادوا في لعب دور الوحش والوصي غير منتبهين إلى أن الأمر يكسرهم ليلعبوا دورا في مسرحية بإخراج بئيس، وسيناريو أفشل متوهمين أن ارتجالهم فوق الخشبة أمر  لم يحدده المخرج (المجتمع) قبلا .

الصراع ليس صراع جنسين بل صراعا ضد ثقافة تملي على المرأة أن تعيش كامرأة يمارس عليها الرجل تسلطه ليرضي الجموع، في استجابة “لثقافة الأسرة كمؤسسة تعيد إنتاج نفس نمط الإنتاج وبُنَى التفكير”  من دون أن يستطيع كلا الجنسين مغادرة العلبة التي حُدِّدت لهما؛ وإن استطاعا فعل ذلك بالصدفة فالندوب الغائرة تبقى حملا زائدا يعرقل المسير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *