عندما يتوقف الزمن.. أو يتوقّف فيسبوك

لم تتسَنَّ لي الفرصة ذات مساء منذ مدة، أن أتصفح حسابي على “فيسبوك” كما أفعل -ويفعل غيري من ملايين المدمنين- يوميا، وذلك لبعض الالتزامات. وكالمعتاد، أحاول في المساء أن أستدرك ما فاتني من أحداث من خلال حسابي الذي أنشأته منذ 4 سنوات.

جلَبة غير عادية تملأ المكان، حتى من علبة رسائلي التي تظل فارغة سوى من بعض المقربين إلي امتلأت برسائل عديدة لم أستوعب مضمونها: “أنا مارك مدير الفيسبوك….” (منذ متى أصبح مارك يبعث الرسائل باللغة العربية ؟؟؟). بعد بحث سريع اكتشفت أن شركة “فيسبوك” تواجه عطبا تقنيا طارئا على مستوى العالم، يهدد بإغلاق العديد من الحسابات؛ المشكلة لم تقتصر على فيسبوك لوحده، بل على بعض مواقع التواصل الاجتماعي المشهورة الأخرى.

أصبح المشهد فوضويا بشكل غريب، في ظرف ساعات صار “فيسبوك” كبورصة تهاوت فيها أسهم الجميع دفعة واحدة دون سابق إنذار، الزوال يهدد الجميع والكل يبحث عن سبيل ينقذ به ما يمكن إنقاذه (ولو تطلب الأمر بعث رسالة تافهة لا أساس لها من الصحة).

هذا التوقف المفاجئ في “الموقع الأكثر  شهرة في العالم” وما تلاه من ردود أفعال، يجعلنا نقف عند ثلاث حقائق:

الحقيقة الأولى أن “فيسبوك” صار “شيئا” يصعب التخلي عنه، صار جزءا لايتجزأ من حياتنا اليومية، ولنا أن نتساءل كيف أصبح كذلك في غفلة منا؟ ربما لأنه تطور في منحى لم يكن متوقعا (أو كان مخططا له). “فيسبوك” تخطى بكثير حدود الوظيفة التي أنشئ من أجلها، ألاَ وهي التواصل، فأضحى فضاءً للإخبار ومنصة للبيع والشراء، ووسيلة للإشهارات والإعلانات، ومنبرا لتصريف الصراعات السياسية، وساحة عمومية للنقاش ولتعبئة الرأي العام. أصبح هذا الموقع خدماتيا بامتياز، يختصر عليك ساعات من التعب في الخارج، فكيف نتخلى عنه؟

الحقيقة الثانية والتي قد تتناقض مع سابقتها، هي أن الحياة من دون “فيسبوك” ستكون أفضل بكثير. فالتفاهة والرداءة والهراء المنتشر عبر هذا الموقع أصبح لا يطاق. وصرنا نتعايش مع الفضائح و”الكوارث البشرية” بشكل يومي، وإذا كان للتخلص من “فيسبوك” بشكل كامل فضائل جمة، فهذه أولها دون أدنى شك.

الحقيقة الثالثة أن العديد من الأقنعة زالت، والعديد من الممالك الزائفة سقطت، وأحس الكثيرون بأن شهرتهم وشعبيتهم الوهمية صارت مهددة. سيدرك الكثيرون أن ما يعيشونه في “فيسبوك” وهم كبير جدا، وأن آلاف الجماهير والأصدقاء سيصبحون كورقة خفيفة تتطاير عندما تكون الرياح قوية ولن تصمد أمام عطب تقني بسيط. 

المؤكد أن ما يربطنا بـ”الفيسبوك” قد تجاوز الإدمان ليسير نحو العبودية، فقد أصبحنا مقيدين بالشاشات لساعات طوال، مرتبطين بعالم وإن كنا نعيش بداخله لسنوات عديدة إلا أننا لا نعرف عنه كل شيء بعد، والمستقبل بيننا. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *