“علي ونينو”.. قصة حبّ أنقذها الحظُّ من النسيان

قد يصادف أن تسمع الكثير والكثير من القصص، وعندما تولع بقراءة الكتب وخاصة الروايات، أو كتب الأدب بصفة عامة، قد تكون متلهفا لقراءة أي عمل تصادفه، ربما لسماعك مثقفا يمدحه، أو لجهة معينة تروج له؛ وبين ذا وذاك، قلما تقف على عمل يرضي ذائقتك أنت وتستحسنه، لا لأن الناس نصحوك به بل لأن هذا العمل خالط شغف قلبك، لذلك فجل تلك القصص التي قرأتها وأنت غير راض عنها، بل تفعل ذلك لمجرد الفضول المعرفي، حينما تعود لتتذكرها لا يجد صداها شيئا بداخلك، بل تلاشت من ذهنك مثل سراب في الصحراء، ولم تعد تتذكر منها غير أخبار طريفة من قبيل كيف حصلت عليها، والمدة الزمنية التي قضيتها في قراءتها، بعكس تلك الأعمال الرائعة التي تظل خالدة بأذهاننا قبل أن يخلدها التاريخ؛ لا داعي للتذكير هنا بتلك الأعمال الأدبية التي خلدها التاريخ منذ أول وثيقة أدبية مكتوبة، كملحمة جالجميش، مرورا بالشعر العربي الجاهلي، إلى أحدث الأعمال الأدبية الأوروبية.

في عام 1937 ستصدر رواية في فيينا باللغة الألمانية لكاتب مجهول الهوية، ونشرها باسم مستعار هو قربان سعيد، رجح النقاد وقتذاك أن يكون لاجئا سياسيا من إحدى المناطق التي كانت فيها الصراعات، لكن الرواية كان حظها سيئا في ذاك الحين، إذ ما برحت أن نُسِيت، وأحرقت جل نسخها تقريبا، بسبب الحرب العالمية الثانية، وخاصة أن مؤلفها سيتوفى بعد انتهاء الحرب مباشرة، لكن القدر سيَسُوق الناشرة الألمانية جنيا جرامان إلى إحدى مكتبات الكتب المستعملة، لتعثر بالصدفة على نسخة ملقاة هناك من الرواية، لتنقذها من غبار النسيان وتنشرها مرة ثانية، ليتوالى الإقبال عليها بشكل كبير، وتصبح من روائع الأدب، كما أنها ستتوالى ترجماتها إلى عدة لغات ستفوق الثلاثين لغة، ومن ضمنها اللغة العربية، حيث صدرت منها طبعة في قصور الثقافة بترجمة عبد المقصود عبد الكريم، وصدرت أيضا عن منشورات الجمل بترجمة لمى عمار، وهناك ترجمة لأميمة البهلول عن دار الكلمة، وهذه الترجمة لم تُخِل بجودة النص الأصلي، فهي ترجمة رائعة.

تقرؤون أيضًا على مدونة زوايا

ليف نسيمبوم هو الاسم الحقيقي لقربان سعيد، الاسم الذي نشرت به الرواية، هو كاتب آذاري ولد عام 1905، لأسرة يهودية تعمل في مجال النفط في مدينة باكو، لكن بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانتصار الثورة البلشفية سيهرب هو وعائلته إلى ألمانيا بسبب معارضتهما للشيوعية، ومن ثم النمسا التي نشر فيها أولى روايته  علي ونينو باسم مستعار، بعد مكوثه هناك اعتنق الإسلام وغير اسمه إلى أسعد بك، لكن هذا القرار الذي انتهى له أسعد بيك باعتناقه لمذهب الإسلام، كان نتيجة تأثره منذ صغره بالثقافة الشرقية الإسلامية، كما أنه أثناء هروبه عبر جبال القوقاز سيتعرف على عدة ثقافات ويسمع الكثير من الحكايات التي ضمن بعضها في روايته مثل قصة التحدي الشعري، وصدر لأسعد بيك رواية أخرى تحمل اسم الفتاة من القرن الذهبي. 

الرواية تروي قصة حب بين علي ونينو، لكنها ليست قصة حب عادية، علي شاب مسلم آذاري ذو ثقافة شرقية، أما نينو فهي فتاة جورجية ذات ثقافة غربية، تبدو قصة غريبة، يتعرف علي عليها في المدرسة يغرم بها، يخرج معها، يلتقي والداها، في صورة تنم عن مدى الانفتاح والتعايش الذي كانت تعيشه العاصمة باكو، عندما يقرر الزواج بها، سيتردد أبوها في القبول بسبب الحرب التي كانت قائمة، ومثل هذا الزواج لا يستطيع أي إنسان أن يتنبأ بمصيره بعد انتهاء الحرب، فالاختلاف في الثقافة، الدين، بل وحتى العرق، لكن كلتا البلدتين في تلك الفترة كان تابعا لروسيا القيصرية، بعد نشوب الحرب لم يرد علي الانضمام إلى الجنود للمشاركة فيها، بل كان يتطلع إلى استقلال بلاده، وذاك ما وقع فبعد انتهاء الحرب، ستستقل أذربيجان، وتعلن استقلالها كجمهورية ديمقراطية يتساوى فيها الجميع، لكن سرعان ما سيحتشد جنود الاتحاد السوفياتي بقربها لاقتحامها، بسبب ثروة النفط التي كانت معروفة فيها، حينها سيستل علي سيفه ويقرر أن يبين عن شجاعة ونبل عائلته، التي عرفت عبر التاريخ بشجاعتها.

الرواية تحاول أن تسلط الضوء على منطقة هي بؤرة التقاء مختلف الثقافات والديانات والأعراق، ومن خلال هذه القصة الرومانسية الغريبة، ينتقل بنا الكاتب بين عدة أماكن ليصور إمكانية التعايش بين هذه الثقافة والأعراق، رغم تباينها. 

تتوزع فضاءات الرواية بين أربعة أماكن، وهي باكو عاصمة أذربيجان، وداغستان، وبلاد فارس التي تشهد أفولها، وبلاد الغرب الأوروبي التي تشهد نهضة نوعية. من خلال تسلسل الأحداث نتتبع البطلان وهما يتنقلان بين هذه الأماكن حسب الصعاب التي كانت تواجههما، كما أننا نتعرف كيف يتعايشان وسط هذه الثقافات المختلفة التي تبين الرواية عن مدى تضلع مؤلفها فيها، خاصة فيما يتعلق ببلاد فارس. القصة طبعا خيالية، لكن سحرها لن يتركك لحظة تشكك في عدم واقعيتها، حيث ينتظم خيط السرد وكأنه حبات مسبحة كما يقول أحد النقاد؛ الكاتب طبعا استفاد من الثقافة الغربية ومن أساليب السرد، حيث استطاع أن يبدع هذه الرواية التحفة التي ستظل خالدة، ولا تبلى مهما تقادم عليها الزمان.

في عام 2016؛ سيُحوّل السيناريست والكاتب البريطاني كريستوفر هامبتون هذه الرواية إلى فيلم، من إخراج آصف كاباديا، وبطولة كل من آدم بكري وماريا فالفريدي، والطريف في هذا الفيلم هو تنوع جنسيات المساهمين فيه، هو فيلم يجسد إمكانية التعاون والتعايش الثقافي حتى بين طاقمه، فالمخرج هندي، والسيناريست بريطاني، والبطلان آدم فلسطيني، وماريا اسبانية؛ صُوِّر الفيلم بين تركيا وأذربيجان، وهو فيلم جميل ورائع، حيث حاول أن يُجسد فكرة الرواية، التي تقوم على أساس تناقض الشرق والغرب، وإن كان بعض النقاد يرون أنه كان متفائلا أكثر من المطلوب، لكن الفيلم مع ذلك يبقى من بين أفضل التحف السينمائية، كما أنه يسلط الضوء على العاصمة باكو ويُبرز ذاك التعايش الذي كان فيها، سواء بين الطوائف أو الأعراق أو الديانات، كما أنه يبرز كيف أنها ظلت محط أطماع الروس حتى بعد الثورة، ولذك فهي لم تسلم من احتلالهم، إذ سيستشهد البطل وهو يحاول الدفاع عن وطنه من طمع الروس.

بسبب الحب وحده، استطاع البَطَلان أن يواجها كل العوائق التي كانت تواجههما، وتَغَلَّبا عليها في الأخير وتزوَّجَـا، قبل أن تفرّق بينهما السياسة! وبسبب الحظ، نجحت هذه الرواية وعرفت طريقها للنشر، لتبقى قصة علي ونينو رمزا للحب في العالم كله؛ إنها ملحمة التغيير الثقافي كما ذكرت جريدة “التايمز.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *