لعنة باولو كويلو وَ”سيزيف” الحالم

“عندما ترغبُ بشدّة في شيء ما سيساعدك العالم بأسره على تحقيقه”.. قرأتُ هذه العبارة في كتاب “الخيميائي” وأنا في الحادية عشر من عمري، و هنا بدأت قصتي مع لعنة الحلم وعدوى الطموح.

الحُلم في وطننا لعنةٌ تجعل من الحالمين مَحطّ سخرية، حتى أمثالُه الشعبية لا تخرج عن ذلك؛ “كيتعلّقْ فيـنْ يْتفلّقْ” خيرُ مثال. هكذا يسخرون من الحالمين، من طموحاتهم الجامحة ومن حياتهم المنشودة التي يسردون تفاصيلها دون كلل أو ملل. سأحصل على الشهادة الفلانية وأعمل لمدة سنتين، بعد ذلك سأسافر للخارج، سأحصل على منحة أو تمويل تقديرا لجهودي. سأنجح، سأصل، سأحقق حلمي. تحكي كل هذا وابتسامة بريئة تعلو محياك، وأنت ترسم تفاصيل حلمك القريب البعيد، ليقاطعك أحدهم “أوْلْدي لْبْسْ قدّك يواتيك“، فَيَرُدُّ آخر “راه كيتعلق فين يتفلق”.  فينهار الحلم الذي بَنيْتَه في مخيلتك بلَبِنات الطموح والإرادة وتغادر المجلس وأنت تلعن الوطن والحلم وباولو كويلو.

حقُّ الحلم في وطننا رفاهية لا يحق لنا المطالبة بها، فأحلامنا تفرَض علينا كما يفرض علينا حكامنا. تفرِضها علينا ظروفنا ويتفنن في تشكيلها آباؤنا الذين هم بدورهم سلبهم الوطن طموحاتهم فرأوا فينا فرصة ثانية لإحياء أحلامهم واغتيال أحلامنا. فكما يعتبِر الحاكم حق التظاهر خروجا عن ولي الأمر وفوضى ممولة من الخارج، يرى الأب العربي في تمردك عن ارتداء ثوب حلمه المُفصَّل لمقاييس طموحه عقوقا ومراهقة أوحى بها إليك رفاق السوء والكتب غير النافعة التي ستفسد حياتك وتخرب مستقبلك؛ فنجاحك في الحياة مرهون بارتداء هذا الثوب الضيق الذي لا يروقك لا لونه ولا تصميمه، لتغدو بذلك الشخص المنبوذ الذي أصابته لعنة الحلم وعدوى الطموح فأصبح يعاني من رهاب القيود، يكُح رفضا كلما سار مع القطيع ويلتهب تمردا كلما جرفه تيار السلبية.

في وطننا، عندما ترغب حقا في شيء ما سيحاربك العالم بأسره لكي لا تصل إليه؛ سيحاربك آباؤك، أصدقاؤك، وقدَرُك. ستلاحقك همسات الشماتة، ابتسامات الشفقة والأسئلة الاستفزازية كلما أخفقت، وسيخبرونك بعد كل هزيمة عن مدى استحالة أحلامك، و سيذكرونك بعد كل نجاح عن حجم خسائرك.

سِيزيف تجاسَر على الآلهة وجعل من نفسه نِدّاً لها فحكمتْ عليه بعذاب أبدي لتجعل منه عبرة لكل من يحاول تحطيم كبريائها، وأنت بأحلامك الجسورة  تصنع من نفسك “سِيزيفاً حالما” يحاول تحطيم آلهة الجمود والاستسلام والخنوع. فاحمل حلمك الصخرة واصعد لأعلى تل الحياة؛ كلما خابت محاولتك، اجعل من طموحك وقودا لتعيد الكرة من جديد. ربما ستصل وربما لن تصل أبدا لأعلى التل، لكن أن تعيش أسطورتك السيزيفية أفضل من أن تشارك جوقة السلبيين ترانيم ثُغائهم الجماعي. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *