وجهة نظر في الموت

الموت، ذلك اللغز المُحَيِّر، وتلك الحقيقة التي لابد منها، ذلك القدر الذي يتسلل بيننا بلا حول منا ولا قوة، تلك النهاية المحتومة وذلك الفراق الذي لا مفر منه لأحبتنا… 

ذلك الوداع الأخير، ذلك الخوف الذي يحضرنا حين نتذكره، ذلك النسيان الذي تتوارى خلفه الأسماء والصفات، ذلك التراب الذي يغطي الجباه، تلك اللحظة التي يتساوى فيها الملوك والخدم، ذلك المعنى الذي يُعطى للحياة وذلك الأمل الذي يعطَى للنفوس…

ذلك السكون وسط الضوضاء، تلك الرهبة في حضرة الجلال، تلك النفس المطمئنة بعد طول كبد، ذلك الاستسلام من غير حول ولا قوة، تلك المغادرة الأخيرة، ذلك الشهود العلوي الذي لانستطيع مشاهدته، ذلك البصر الشاخص… 

وإنها لشجاعة أن يتكلم المرء عن الموت؛ فالموت للمُجاهد شهادة، وللمريض المنهَك راحة، وللعامل جزاء وفرحة، وللمسافر محطة وصول، وللظالم ساعة العقاب.

ما بعد الموت، حياة أخرى حيث توجد معان كثيرة؛ تلك اللحظة السحرية التي ينتقل فيها المرء من حال إلى حال. إنَّ استحضار تلك اللحظة المهيبة يجعل محطات الحياة أسرع مما نتصور، فتصغر الأشياء في عيوننا وتكبر بذلك طاقتنا ونصير أكثر جَلَدا ونبصر بشكل أفضل ونبحث عن الأهم، ونبحث عن  انسجامنا مع ذواتنا في مانقوم به…

إن الموت دعوة قوية لتأملٍ عميق ولوقفة صادقة مع الذات، وإزالة كل الأقنعة والتجرد من كل دِثار قد يلتحف به المرء في التفاهة، ماتعلقنا ومانتعلق به… يموت الشاب في زهرة العمر، لا فرق في ذلك بين الصغير والكبير، السقيم والسليم؛ المواعيد مختلفة ولا ندري متى تسحب الورقة. 

جنائز الناس المتتابعة من أهل ومعارف وجيران إعلانات بأن دورنا آت ولحظة موتنا قادمةٌ لا مفر، هي فقط مؤجلة إلى حين.

 يبدو أن الرحلة أقصر مما يكبر في أعيننا في بعض الأحيان، ولحظات الانغماس في التفاصيل اليومية التي تكاد تبتلع ألبابنا. تعاقُب الأجيال وسيرورة الأيام تجعل دورة الحياة أقصر، اللهمَّ من لحظاتٍ تطبع حياة كل واحد منا… فماذا يبقى ياترى بعد هذه الرحلة القصيرة جدا؟ وكيف نعيش كل لحظة من هذه الرحلة دون أن نتأسف لحظة المغادرة على شيء ضاع منا دون أن ندري ونحن في غفلة الحياة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *