أسرار الأحماض الأمينية

لماذا عشرون حمضا أمينيا فقط

إن الحياة وكما عهدناها مليئة بالأسرار التي يسعى الإنسان على مر العصور لِفَك شيفرتها وفهم بنيتها وآليات عملها، عبر فلسفات غابرة وحاضرة ونظريات تختلف باختلاف خلفيات ومقاصد مُنَظِّريها، إلا أنَّ الكل يشترك ويتفق على أن الحياة ليست بتلك البساطة التي تجعل المرء يفقد حس الدهشة أمام كل هذا الجمال وكل هذا التعقيد الذي كلما بحثنا وتعمقنا يدفع بنا لدهشةٍ أكبر.

اليوم نقف أمام سر من أسرار هذه الحياة والتي أصبحت كمكعب أسرار كلما قلبته على جهة بدت لك الجهة الأخرى كأنك لم تراها من قبل، سرٌّ حاول العلماء من خلاله فك شيفرة من شيفرات هذه الحياة وآليات عملها، ألا وهي البروتين. 

إن كل طالبِ علوم أو عالم أو أستاذ باحث أو حتى مثقف عام يبحث عن المعرفة، لا بد وأن  يكون قد سبق له قراءة أو معالجة مقال يتحدث عن البروتينات ودورها وطريقة عملها والكيفية التي تتكون بها، بحيث تعتبر حجر الأساس في جميع الصفات الخلقية التي تتميز بها المخلوقاتُ كافة؛ في حين أن كل طلبة العلوم وعلوم الحياة والأرض خاصة، يكاد الواحد منهم يتحدث أو يقرأ مقالا علميا في هذا الخصوص حتى تتجلى أمامه القاعدة الشهيرة والمتلازمة العامة (مورثة – بروتين- صفة). 

هاته القاعدة مفادها أن كل الصفات مرتبطة مباشرة بترجمة كيميائية للحمض النووي الذي يعتبر أساس استمرار كل جنس على الوجود والضامن للحفاظ على صفاته ومميزاته الجينية، هذه الجينات التي تقفز من كونها عبارة عن مورثات مرورا بالبروتينات لتصل الى نتيجتها النهائية، أي الصفة، والتي يمكن أن تتمثل في لون بشرتك أو شعرك أو قرون خروف أو لحم غزال…

هنا العقل والمنطق والاستفهام العلمي والفضول البشري يطرحون سؤالا جوهريا، من أين وكيف تأتي البروتينات  التي تعتبر مصدر كل صفة يمتلكها كل مخلوق من المخلوقات الحية؟ هنا تتجلى لنا أحجار الحياة أو ما يصطلح عليها علميا  بالأحماض الأمينية.

الأحماض الأمينية (مصطلح حمض أميني amino acid هو اختصار لـِ (ألفا أمينو حمض الكربوكسيل – αamino carboxylic acid)) هي مجموعة من جزيئات عضوية تحتوي على مجموعة الأمين الأساسية (―NH)، ومجموعة حمض الكربوكسيل (―COOH)، ومجموعة عضوية (R أو تسمى سلسلة جانبية) والتي يتفرد بها كل حمض أميني، وهي التي تشكل لنا البروتينات بمختلف أنواعها، وتنقسم هذه الأخيرة إلى نوعين: أحماض أمينية مولدة للبروتين (عشرون حمضا أمينيا) وهي الأحماض الأمينية التي لها القدرة على توليد البروتينات والدخول في التسلسلات البروتينية من أجل تحويل خبر وراثي أو مورثة إلى صفة معبرة تظهر على مختلف المخلوقات الحية، في حين هناك أحماضٌ أمينية غير مولدة للبروتين، وهي عبارة عن أحماض أمينية لا تدخل في إنتاج البروتينات بل تكونُ مدمرة إذا ما تم إدخالها في سلسلة الإنتاج بشكل من الأشكال، مما ينتج عنه تخريب للبروتين أو إنتاجُ مكون كيميائي سام!! 

هنا يُطرَح التساؤل الذي حاول مجموعة من العلماء الإجابة عنه لعقود، لماذا فقط هناك عدد محدود من الأحماض الأمينية بإمكانها إنتاج البروتينات في حين يتم استبعاد الباقي؟ 

وللإجابة عن هذا السؤال المُلح، بين أيدينا دراسة علمية حديثة نشرت بالأكاديمية الوطنية للعلوم بأمريكا والتي تمت بتعاون مع الدكتور مورجان فرينكل من معهد جيورجيا للتكنولوجيا ومجموعةٍ من الباحثين من المركز الرئيس للتكنولوجيا المدعوم من وكالة ناسا بالاشتراك مع الدكتور لوك ليمان وأيضا بروفيسور مساعد في الكيمياء من معهد سكريبت للأبحاث الطبية؛ حيث كان الهدف من التجربة الكشف عن أصل البروتينات وكيف تم تشكيل أول بروتين بواسطة الأحماض الأمينية.

هنا قام الباحثون بوضع مجموعة من الأحماض الأمينية  المولدة للبروتين بالموازاة مع نفس العدد مع مجموعة من الأحماض الأمينية الغير مولدةٍ للبروتين بنفس  الوسط داخل مياه غنية بحمض الهيدروكسيد ما سيسهل التفاعلات بين الأحماض الأمينية بحرارة 85 درجة مئوية، ومن ثم خلط المحتويات مما أدى الى تسريع التفاعل وتبخر المياه التي تم استعمالها في التجربة.  

وهنا كانت المفاجأة، حيث أنهم عندما ألقوا نظرة على التجارب كانت الأحماض الأمينية المولدة للبروتين قد  ارتبطت فيما بينها عبر رابطة (α-amine) عكس كل التوقعات، بل الأكثر من ذلك أن الأحماض الأمينية المولدة للبروتين قامت بتحييد قريناتها الغير مولدة للبروتين من التفاعلات. ما يعطينا فكرةً على أحد الأسباب المؤدية لوجود عشرين حمضا أمينيا فقط مولدة للبروتين. 

ويقترح العلماء أن السبب وراء وجود عشرين حمضا أمينيا لها قدرة التفاعل في تسلسلات إنتاج البروتين هو قدرتها على الارتباط بسهولة فيما بينها، وافترض الفريق أن سلاسل الأحماض الأمينية سابقة الصنع والمفيدة في النظم الحية وُجِدت حتى قبل أن توجد الحياة طريقة لصنع البروتينات.

وتعقيبا على ما خلصوا له، نختم بقوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة فُصِّلَتْ – الآية 53]. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *