هل تبصر أعينُنا الألوان نفسَها؟

هل تعتقد أن العين لا يمكنها رؤية الألوان؟

الألوان .. تخيل لو أنك قمت صباحا لتجد نفسك مبصرا للعالم باللون الرمادي على شاكلة أفلام الثلاثينيات، أو أنك ترى الأخضر رماديا أو الأزرق أصفرا؛ لا أعتقد أن عقلك يمكنه حتى تخيل فكرة عدم وجود الألوان أو انعكاس معانيها عَمَّا ألفه إدراكه الشعوري لمعنى كل لون على حدة.

هل فكرت يوما وأنت جالس على شرفتك بيتك أو رفقة أحد أصدقائك تتمتعون بجمالية الغروب هل هذا الأخير الذي تراه هو نفسه الذي يراه صديقك؟ بالطبع إذا سألناكما هل السماء زرقاء ستجيبان معا بالإيجاب، ولكن هل حقا غيرنا يرى الأزرق كما نراه نحن؟ تخيل لو نشأ كل منا في بيئة مختلفة، كل بيئة منهما تسمي الألوان عكس الأخرى، هل حقا سيكون الأحمر الذي تراه هو نفسه الذي يراه غيرك؟ أم أنَّ إدراك الألوان ودرجاتها رهين بعدة عوامل متقاطعة انطلاقا من ما هو بيولوجي إلى ما هو حسي ذاتي وصولا إلى تأثير لغاتنا في مدى إدراكنا للألوان. 

كلنا يتذكر سنة 2015 التي تميزت بظاهرة علمية غريبة أُطلِق عليها اسم “ظاهرة الفستان”، والتي نشأت بسبب فستان تم نشر صورة له على مواقع التواصل الاجتماعي، ومما سبب نقاشات حادة بين العديد من الناس أن بعضهم رأى لون الفستان أزرقا بخطوط سوداء في حين رأى آخرون أن الفستان بلون ذهبي وخطوط بيضاء، حيث علق “جاي نيتز” وهو باحث بجامعة واشنطن قائلا (لقد درست الاختلافات الفردية في رؤية الألوان طوال ثلاثين سنة، لكن هذه المرة الأولى التي أرى فيها اختلافا بهذا الحجم)، في حين يعتقد عالم الأعصاب “بيز كونواي” الذي درس بجامعة ويسلي (أن ثمة اتصالا بين الموضوع وكيفية معالجة الدماغ للأشكال، مشيراً إلى (أن النظام البشري الخاص بك ينظر لهذا الشيء وأنت تحاول الحد من التحيّز اللوني لمحور ضوء النهار) و (أن الناس إما يُحَيّدون الجانب الأزرق فَيَرَوْن في هذه الحالة اللونين الأبيض والذهبي، أو يحيّدون الجانب الذهبي فَيَرَوْنَ في هذه الحالة اللونين الأزرق والأسود).

هناك عدة أمثلة لهكذا ظواهر بصرية، بينما يبقى السؤال قائما: هل يعيش البشر نفس التجربة عندما يبصرون  نفس اللون؟ هل بالمعنى يكون لهم نفس ردة الفعل الحسي العصبي أو أن اختلاف إدراكنا للألوان يسبب اختلافات عدة في ردود أفعالنا؟ 

لكي نفهم كيف يختلف إدراكنا للألوان يجب علينا أولا فهم كيفية إبصار عيوننا لمختلف الألوان بمختلف درجاتها وكيف يستطيع الدماغ البشري إعطاء معنى إدراكي وحِسِّيٍّ عصبي لكل لون على حدة. 

إنّ رؤية الألوان هي عملية تتم بالاعتماد على الطول الموجي أو التردّد المنعكس من الجسم بحيث يستطيع الجهاز العصبي تمييز اللون بالمقارنة بين الاستجابة المختلفة للخلايا -تحديداً المخروطيّة- الموجودة في العين، هذه الخلايا تكون حسّاسة للطيف المرئي، بحيث يتراوح هذا الطيف عند الإنسان ما بين 380 إلى 740 نانومتر بين اللون البنفسجي واللون الأحمر، ويُقَدَّر بأن الإنسان له قابلية تمييز عشرة ملايين لون.

تحتوي المخاريط على مادة لزجة أو جزيئات تلتقط الضوء؛ عند كل إنسان هناك ثلاث أنواع من هذه المادة اللزجة، الحمراء والخضراء و الزرقاء، كل نوع من هذه المواد يتحسس بدرجات مختلفة لموجات الضوء المرئية. ويختلف عدد المخاريط ومجال الرؤية الخاص بها باختلاف الكائنات الحية.

إلا أن هناك نسبةً من البشر يعانون مما يصطلح عليه عمى الألوان حيث تكاد تصل هذه النسبة إلى واحد من بين كل 12 رجلا وواحدة من بين كل 200 امرأة، حيث أن هذه الفئة تختلف حساسية أعينهم للألوان عن باقي البشر وتختلف أعراضهم بين من هم غير قادرين عن تمييز لون أو لونين كالأزرق والأخضر أو الأخضر القاتم والرمادي، إلى عديدٍ من الحالات وصولا إلى العمى الكلي للألوان حيث يرى الفرد العالم وكانه فيلم من الأفلام الكلاسيكية لفترة الثلاثينيات من القرن المنصرم. 

ولفهم كيفية تعامل الدماغ مع الألوان، قام مجموعة من الباحثين سنة 2009 بنشر ورقة بحثية عن تجربة ناجحة تمت على مجموعة من قرود السنجاب التي تتميز بأنها تملك نوعين فقط من الخلايا المخروطية، الأخضر والأزرق، وذلك من خلال حقنها بِفَيْروس بيولوجي عبارة عن جينات تستهدف خلايا العين قصد تغييرها، ومن خلال تحويل الخلايا ذات الحساسية للون الأخضر إلى خلايا ذات حساسية للون الأحمر – رغم أن مجموعة من الخلايا لم تتجاوب –  إلا أن النتائج كانت مبهرة جدا، حيث أن القردة التي كانت لا تملك القدرة على تمييز النقاط الحمراء على الخلفية الرمادية أصبح بإمكانها تمييزها إلى جانب النقاط الخضراء والزرقاء معا. 

ولقد أعطت التجربة الأمل لِكُلِّ مرضى عمى الألوان، إلا أنَّ “جاي نيتز” الباحث بجامعة واشنطن وأحد أعضاء فريق البحث علق قائلا (قبل أن يتوجه الناس الذين يعانون من عمى الألوان إلى طلب إجراء العملية لهم يجب عليهم أولا أن يعلموا هل هي آمنة بشكل كامل على صحتهم أم لا، وهذا طبعا يتطلب مزيدا من العمل).

وإلى جانب هذه التجارب والتحليلات العلمية، تثبت مجموعة من العوامل الأخرى أن العامل البيولوجي ليس الوحيد الذي  يمكن أن يكون سببا وراء اختلاف إدراكنا للألوان؛ فلا يتعلق إدراك الألوان برؤية ما هو موجود فعلاً بقدر كونه متعلقا بكيفية قيام دماغنا بتفسير الألوان لإنشاء شيء ذي معنى؛ خذ على سبيل المثال الأشخاص الذين يعانون من الحسية المتزامنة، وهم القادرون على تجربة إدراك اللون بالحروف والأرقام. وكثيرا ما يوصف تشخيص الحسية المتزامنة بأنه انضمام للحواس، حيث يمكن للشخص رؤية الأصوات أو سماع الألوان!! لكن الألوان التي يسمعونها تختلف أيضًا من حالة لأخرى.

في حين تلعب الخلفية الثقافية واللغة دورا آخر في اختلاف إدراكنا للألوان ،حيث أنه هناك عدة شعوب ولغات قسمت الطيف اللوني بشكل مختلف عن قريناتها من اللغات والثقافات.

بعض اللغات مثل لغة الداني في بابوا نيو غينيا، ولغة الباسا المستخدمة في ليبيريا وسيراليون، لديها فقط مصطلحان: الداكن والفاتح؛ الداكن يعني الألوان الباردة أما الفاتح فهي الألوان الدافئة لذا فإن الألوان مثل الأسود والأزرق والأخضر يقال عنها ألوان باردة، في حين أن الألوان الفاتحة مثل الأبيض والأحمر والبرتقالي والأصفر توصف بالألوان الدافئة. 

ولا يملك شعب وارليبلي الذي يعيش في الإقليم الشمالي في أستراليا حتى كلمة “لون”؛ فبالنسبة لهم وغيرهم من المجموعات الثقافية، فإن ما نسميه “اللون” يوصف بمفردات غنية أخرى تشير إلى النسيج، والإحساس الفيزيائي والغرض الوظيفي ولا تجد أحدهم يصف شيئا ما بلونه نهائيا.

حتى أنه تاريخياً كان للغة الويلزية مصطلح “الأزرق المخضر” للتعبير عن اللون الأخضر وكذلك فعل اليابانيون والصينيون. أما في الوقت الحاضر وفي كل هذه اللغات تم تقييد هذا المصطلح ليعبر عن الأزرق فقط ووجدت كلمة أخضر.

بل بالأحرى  نجد أن متحدثي اللغة اليونانية لديهم مصطلحا لونين أساسيين لوصف الأزرق الداكن والفاتح – وهما  “ghalazio” و “ble” – في حين أن المتحدثين باللغة الإنجليزية يعبرون عن اللونين بنفس الكلمة blue  وحتى في التراث العربي يقال للأخضر الغامق أو شديد الخضرة أسودا.

ولا يحدث هذا الأمر مع الألوان فحسب، بل في الواقع يمكن أن تؤثر اللغات المختلفة على تصوراتنا في جميع مجالات الحياة؛ وهذا لأن تعلم لغة جديدة يشبه إعطاء عقولنا القدرة على تفسير العالم بشكل مختلف؛ بما في ذلك الطريقة التي نرى بها الألوان ونفسرها. 

مواضيع ذات صلة: أسرار الأحماض الأمينية

فهرس المراجع

  • مجلة (nature) 
  • موقع (curiosity)
  • موقع (the conversation)
  • موقع (Elconsolto) 
  • المعهد الكتالاني لطب العيون 
  • موقع (wired ) / قسم العلوم
للتدوين معنا على زوايا .. راسلونا على
https://zawayablog.com/%d8%a3%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%85%d8%b9%d9%86%d8%a7/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *