لغة الضاد الشريفة.. أضحت منبوذة؟

كيف طغت لغات العصر على اللسان العربي؟ وما دور أهل الضاد في ذلك؟

عذراً صديقتي اللغة العربية، فقد تقهقه وتذبذب قلبي لفقدانك، وكأن كلماتي تلاشت وفقدت لبها أمامك.


أن تكون عاشقاً للغة العربية، أو أن تكون شاعراً متميزاً، أو دارساً مختصاً بهذه اللغة القسيمة، أو أديباً مرموقاً، فيحق لك، وواجب عليك كتابةُ مقالٍ تناشد وتدافع فيه عن لغة الضاد؛ لغة الإعجاز، لغة العقل والكمال، لغة الشعر والجمال، لغة الإحساس والحياة..
قالبٌ فني من العبارات والمفاهيم، تُذهلنا معانيها وترافقنا لمستها الخاصة وسحرها الفتان وأيقونة دلالتها وكمالية رمزيتها..

أمست لغتنا الفاتنة، منبوذة مرفوضة، بعدما كانت رمزاً لهويتنا وعنواناً لحضارتنا ومفتاحاً لمعارفنا وملمحاً لشخصيتنا العربية الأصيلة، كيف لا، ومعظم العرب اختار التواصل بلغات العالم غير اللغة العربية، وبعين الأسف والحسرة، كيف يكتب الكثيرون كلمات بسيطة من لغتنا الأم بشكل خاطئ !.. بل وأكثر من هذا، فقد أضحت اللغة العربية ممزوجة بالأرقام الأجنبية في آخر صرعة استحدثها جيل اليوم خلال العشر السنوات الماضية.. لربما هو مسار جديد عند العرب !!
لماذا نلجأ للبدائل ولغتنا لا تشكو من علة أو ضر أو نقص؟ لماذا نربط الحديث باللغات الأجنبية بالحضاري؟ فلماذا …؟

ربما كل هذا يمكن رده نوعاً ما إلى الثورة التكنولوجية عامة، وثورة الانترنت خاصة، بحيث تعد هذه الأخيرة ثورة عالمية، حضارية وتقنية أفلحت في الانفتاح على باقي الثقافات الأخرى والتعرف على اللغات الأخرى، فأضحى التواصل مع كافة أقطار العالم شيء بسيط وسهل، يتطلب سوى جهاز هاتف ذكي أو حاسوب شخصي، وهو بالتأكيد وسيلة متوفرة بين أيدي جل الفئات الصغرى والكبرى؛ إذ تحولت هذه الوسيلة إلى وباء ونكبة ضدنا، فانشغلنا عن الأحبة والأصدقاء وأصبح تبادل الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت صلة الرحم تعوض باتصال على شكل فيديو وذلك بلغة عربية ركيكة لا تخلو من الكلمات الأجنبية الدخيلة، فلو كان التواصل مباشراً وجهاً لوجه لما اضمحلت لغة الضاد..

إن شباب اليوم يخجل التحدث بالعربية الفصحى ظانا أنه تخلف، أقول هذا عن مواكبات شخصية، لمصاحبتي فئة تتقن لغة غربية، فتعتمد عليها، بدلاً من لغتنا الشريفة، في حين تجد صعوبة في تركيب جملة صحيحة باللغة العربية الفصحى!!
إننا وبدون مظنة وارتياب، نعيش اليوم تحديات شوعاء تقف سداً منيعاً أمام لغتنا الأم، كابحة تقدمها، وتوسع نفوذها، برؤية خافتة ضئيلة من القائمين على المؤسسات الثقافية والتعليمية في محاربة هذا المد الهائل من المفردات الأجنبية الطاغية على مفرداتنا وكلماتنا.
ولا نعجب، فاللغة العربية في أمسها المنصرم كانت مناراً يشع نوراً، فيها كتب القرآن وأحاديث الرسل والأنبياء لذكرها عند الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما قال: “أحب العربية لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي..” صدقت يا رسول الله لقولك، لجمال كلامك، لفصاحة لغتك، وبلاغة حديثك..

وأنا أكتب هذا المقال يقتحم أخي غرفتي و بيده كتاب الرياضيات، لمساعدته كالعادة على حل التمارين، لم أنبهر لإتقانه لغة الرياضيات بالفرنسية وتواصله معي بمفردات تقنية باللغة الفرنسية، لأن التعليم بات ينحوا منحى فرنسة التعليم، ومحو اللغة العربية من كتاب التلميذ، إذ نجد اليوم جل التلاميذ تتقن اللغة الفرنسية أو الإنجليزية بإتقان وتفان ووضوح، لأنهم أصبحوا يجدونها لغات العالم و التواصل بين الشعوب..
ولا شك أن للمؤسسات التربوية دورا سلبيا واضحا في ذلك، بما فيها المدرس الذي يقع على عاتقه تدريس الأجيال قواعد اللغة وأهميتها في حياتهم اليومية، لكن ما نجده ينصب في الاتجاه المعاكس، فالمُدرس نفسه قد يكون تعلم بنفس المنهجية الجوفاء، إلا القلة القليلة منهم؛ أتذكر مدرسي للغة العربية، الذي حببها لي، وجعلني أعشق الكتابة والقراءة، ودرسنا قواعد اللغة مرافقاً بالألفية التي كانت هاجساً صعباً، لكنها حملت معاني كثيرة للغتنا الأم..
كما أنه قد يكون أيضاً للمجتمع دور سلبي واضح، وذلك من خلال تقدير لكل من يتحدث الأجنبية بطلاقة ويتجاهل لغته الأم وكأنه مؤشر للرقي والتحضر، وفي الحياة اليومية نرى بعض الشباب يقوم باحتقارها، واحتقار المتحدثين بها، ويعمل على هدم جذورها لتغيير معانيها إلى معانٍ نجسة وخبيثة، وحتى في المدارس تعاني اللغة العربية نفوراً واضحاً من لدن الطلبة والتلاميذ..

ورغم كل هذا، فالخير باق بالتأكيد في أمة العرب، لذا يجب الدفاع عن هذه اللغة وتجسيدها على أرض الواقع ومجاراتها في كافة مناحي الحياة، آملين في اتخاذ مجرى للاهتمام بها والحفاظ عليها.

تدقيق ومراجعة: حمزة كدة
تصحيح وتنقيح: فريق زوايا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *