من يريد أن يكره الحب وعيده؟

عن "دكتاتورية الحب" يحدّثنا المدون كمال بحاجة

جَنَت على نفسها وما عَلِمَتْ، هل نحن في حاجة إلى الاهتمام لنعيش؟ يقال إنه إذا أردْتَ الحب فتعَلّم الاهتمامَ أوّلا، لكن هل دائما تصلُح هذه القاعدة؟ الجواب لا، ولأفنّدَ هذا الرأي، سأقول: هناك من يدعي الحب بحثاً عن الاهتمام؛ اهتمام مزيف لا يهم، تأخذ ما تشاء فقط اهتم، قولوا لي هذا صحيح… ولكيْ تتأكدوا، تابعوا معي أطوار قصةٍ لمْ تُرْوَ .. صديقي الرائع يحكي وأنا أستمع..

يقول: بدأت القصة حينما أومأت برأسها الصغير، وكعادتها التي لاحظتها بعد معرفتها، برغبتها التي تفوق الحدود في تغيير الحضن الذي احتواها لأيام وليالي، لا يهم مع من… المهم أن تنام وتتعرّى، وبين ذراعَيْ غريبٍ تتسَلّى، روَيْداً رويدا، هي لا تعترف بهذه القاعدة، في أول فرصة  تسلّم مفاتيحها.

استمَرّت في إيماءاتها وإيحاءاتها إلى وقت قصير لم تعد فيه قادرة على التحمل، الجسد جاهز والقلب ينبض والوقت ينفذ، و ما من طريقة للوصول إلا بالتودد والتقرب و بالتأكيد فعَلَتْ كعادتها.

يتوقف عن الكلام، يسود الصمت للحظات إلى أن بادرتُه: أ بالكَ مشغولٌ بمنْ رحلوا؟ لم يُجِبْ ..

واستمر يحكي وعيناه تزدادانِ بريقا، نار الأشواق توقظ بداخله، قائلا في يوم من الأيام قالت: “لن أفلت يدك حتى في أسوأ ظروفي وحالاتي”، إلى عيني نظرَتْ وهي تقول هذا، حتى إنها تحدثتْ عن اسم أول أولادنا ، هذه الحيلة لا تنطلي على عاقل، كنت متأكد بأن هذا الاسم الذي أحتفظ به لنفسي اخترته مع حبيب سابق لها، ربما الحبيب الخامس أو السابع، فلا يهم الترتيب، وأنا في المقابل ذلك الأحمق الذي يصدق و يبوح بمكنوناته… أقول لها، رغبة مني في أن أكون صادقا مع نفسي أولا ومعها ثانيا، أصارحها بمزاجي المتقلب تارة  والحاد تارة اخرى، فعلا كنت أود أن يكون الأمر هذه المرة مختلف.

واصَلَ الحديث: الحب يُغتال في أفضل أيامه ويوم عيده، فهل نُقيم له مأتماً أم نستعدّ ونقرع طبول العشق لي ليلة طويلة.

تقرؤون أيضاً على مدونة زوايا

استمرّ يحكي .. ذاتُ الرأس الصغير تلك الأفعى، لم تبدي أي اعتراض قائلة أحبك كما أنت يكفي ألا تتغير، وهذا كان وعدي و عليه حافظت عكسها تغيرت وتخلّفت عن وعدها وتناست ما كان بيننا، وفي السرّ أرسلت صورها عارية لذئب في المقهى ففضحَها، وأمام الكل قال عنها ما قال، وللأسف كنت مِن بيْن الحضور، ويا ليتني ما كنت، وتلك المسكينة عفوا المريدة تظن أنها فعلت من الأمور أحسنها.

“لم يكن عليَّ أن أنامَ تلك الليلة، كان يمكن أن أكتفي بملامسة خصلات شعرها ووجهها الفاتن. أكيدٌ أنها الآن تنظرُ إلى جمالها وتعتذر له في صمت، الذنب ليس ذنبها طبعا.”

 هكذا كان يحكي، ينتقل من حدث إلى حدث آخر دون تفكير، وأنا أنصت في صمتٍ مُطبِق.

قلتُ: مثل هذه الأمور تحدث وتعتبر متجاوزة لا أظنها تؤثر على شخص مثلك. قال: بل تؤثر، الله أعلم كيف… لكنها فعلتْ!

ترك قهوَته دون أن يتذوقها، وراح في شوارع المدينة تائهاً

مختصَرُ القصة كان هذا، اكتفيتُ بما يخدم فكرتي، لأن الأحداث أعمقُ مِن أن تحكى في سطور. 

صديقي هذا جعلني أفكر كيف يعشق المرء امرأة كل الأصابع تشير إلى عهرها وكل المدينة تعرف قبحها وخبثها، أينما مرت إلا وصادفت أشخاصا تعرفهم؛ كيف لك يا صديقي لم تلاحظ ذلك ، كيف لك أن تتورط وأنت من كنت في الحب دائما منتصرا، ولكن القلب في الحب لا يلام.

فكرت فيها لعلّي أجد تفسيرا فتذكرت حياتها وظروفها و مدينتها وأهلها، فالتمست العذر لها رغم عدم الاقتناع به، ليس بعذر مقبول لكنه منطقي يزيح ولو قليلا لثام الجهل ويكشف عمق قبوه المظلم السحيق،  الذي لا زلنا نتخبط فيه.

الأب يظن أنه بالتشدد يحمي ابنته، والأخ يظن أن قوته كفيلة بأن تجعل من أخته فتاة خائفة منه لا تحدث مشاكل ، لكن كل هذا مجرد زبد سرعان ما يذهب جفاء، نسوا أن يعطوا ويقدموا ما يمكث في الأرض سنين عدد، الحنان والحب و الثقة فجعلوا من بناتهم قنابل موقوتة سهلة الانفجار، لا سلطة للضمير عليها، ينامون في حضن الذئاب بقلب مطمئن غير آبِهٍ للمجتمع وما يقول.

حضرني في هذا الصدد قول الدكتور عدنان إبراهيم وقوْلُه يصادف الصواب، في مسألة أن عفيف مكة ليس هو  عفيف برلين، غيرت من قوله، فقلت عفيف تلك المدينة الصغيرة ليْسَ هو عفيف الجامعة، شتّان بين الثرى الظاهر وسط مدينة صغيرة يعرف فيها القبيح ويشاع خبره، وبين ثريا مدينة مشعة شعارها الجمل والقوام الممشوط …

كنت دائما أسمع عن ديمقراطية الحب، فأصدّقها، لكن بعد هذه القصة، غيّرت المصطلحات وأطلقت عليها “ديكتاتورية الحب”، لأنه ليس من الديمقراطية في شيءٍ أن تضع شخصا في علبة وتحكم إغلاقها و تطير بها بعيدا، وتحت سياط الغيرة ترسم له حدوداً، وبنظرة استحواذية تُحكِم لِجامها، وفي الأخير تخونُه…  

كمال بحاجة

عاد الصديق، وهو يقول:  هزمَتْني مرتين… 

أجبته بقصيدة أحفظها للشاعر تميم البرغوثي :

 كم أظهرَ العشقُ من سِرٍّ وكم كتَما   ****    وكم أماتَ وأحيا قبلنا أُمَماقالت غلبتُكَ يا هذا ، فقلتُ لها   ****    لم تغلبيني ولكنْ زِدتِني كرما
بعضُ المعاركِ في خُسرانِها شرفٌ **** مَن عادَ مُنتَصراً مِن مثلها انْهَزَما

وسيظلّ سؤالي مطروحا: هل نحن في حاجة إلى الاهتمام لنَعيش؟

إخبار

نخبركم أنه انتقلنا -من الآن فصاعداً- إلى طريقة جديدة لتلقي التدوينات عبر إنشاء حساب على موقعنا ببريدكم الإلكتروني وباقي المعلومات .. يمكنكم الاطلاع على شروط النشر و صفحة اكتب معنا على موقعنا
مع مودتنا
 فريق مدونة زوايا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *