قصة قصيرة: الأخ والرفيقة.. الحوار العقيم | الجزء الثاني

من وحي واقع الجامعات المغربية.. قصة قصيــرة عن نقاشٍ مُسْتفِيـض

ما إنْ سنَحَتْ الفرصة حتى أكمل الأخ كلمته علما أنه لم يسحب كلمة أختي، مخاطبا الرفيقة بالقول: لكي أكمل كلامي في حرية إبداء الرأي الذي بطبيعتكم احترمتموه عبر مقاطعتكم لي، كيف يعقل لك أن تترافعي عن حق الاختلاف وحرية التعبير في كل تمظهراتها وظاهر مداخلتك ليس كباطنها، تَدَّعين وتترافعين عن حق أنت في الأصل انتهكته، كيف ذلك؟ قلتِ أني لا أؤمن بالرأي المخالف، وبالتالي فلِم كل هذا الهرج والمرج، كيف تُعلين حقك في مشاهدة برنامج ما، وتفرضينه علي بطريقة مهينة، وترغمينني على الإصغاء مجبرا مُكرها!؟ لو كنتِ فعلا تؤمنين بالرأي المخالف لما أبْديت معارضتك في تغيير القناة، فلست وحدك هنا، أم أن عليك تدجيني وإخصائي في حرية الاختلاف، وحال لسانك يقول في هذا المقال اتبعوني أيها القطيع فإني لكم لحافظ أمين على فكركم بهذا البرنامج التنويري .

وأصْدُقكم أيها القراء، أخونا تنفّسَ الصعداء فرفيقتنا ذبلت ابتامستها الصفراء، واحمر وجهها وإن كنت شخصيا ككاتب أحب الخدود الحمراء، ما علينا؛ عندما شعر الاخ بارتياح وتوظيب لأفكاره، أطلق العنان للسانه بالقول: فالجهر بالحق وإعلاؤه لم يكن يوما قاصرا على الفلسفة العلمانية الغربية، فهو في الإسلام من حق كل مسلم بل من أوجب واجباته، والمسلم مسؤول بل مطالب بأن يعبر عن رأيه وأفكاره من دون أن يخاف في الله لومة لائم، مصداقا لقوله تعالى: {ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه}، وفي مقام آخر: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، وفي الحديث الشريف: ” ذمن رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”. ثم من منا لا يعرف قضية عمر بن الخطاب حينما استل أعرابي سيفه في وجهه قائلا: “لو لم تستقم يا عمر لقَوَّمناك بسيوفنا هذه” ، فرد عمر عليه: “والله لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير في إن لم أسمعها”. 

وأضاف الأخ ساخرا: أترين عندما أقول لك نحن الأصل في إحقاق الحقوق والإيمان باختلاف الآراء حتى ولو كان عن وَلِيِّنا، فما بالك بالعوام من الناس، وأختم بالقول دعي عنك التفاخر بحقوق الإنسان وبثقافتهم فذلك مجرد ثقافة غربية تتوخى استلابَ هويتنا وثقافتنا الخصوصية، دون الحديث أنه بسببها كان يُبَرر استعمار شعوبنا، ولن أطيل عليك في هذا الصدد إذا ما كنت متتبعة لأحداث الساحة الدولية ستَعِين ذلك. حتى أصدقك القول أيها القارئ، لم أتمالك نفسي ككاتب فبمجرد ذكر هاته المنظومة تدخلتُ بدافع التخصص قائلا في جوف كياني : ويْحكم بل الويل منك ومنها، احترموا أمواتنا قبل أن توقظنا من بحر العطالة، نحن كخريجين لهاته المنظومة أصبحنا بفضلها كأصحاب أهل الكهف، وإن كان ساستنا يطبلون بهذه المنظومة في نظُمهم التعليمية وتقاريرهم السنوية وخطاباتهم الدوغمائية وتشريعاتهم الجافة أمام مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وباقي المنظمات المتخصصة، فنحن أكبر الضحايا، فرجاء غيِّرا موضوع مرافعتكما، فليس في صراعكما فقط موضوع حقوق الإنسان، تحدثا عن الديمقراطية وكفا من حقوق الإنسان فهي أكبر منكما. 

تخيل معي أيها القارئ رفيقتنا وكأنها سمعت صراخي في جوف كياني وقالت للأخ: لن أجادلك كثيرا في أحقية وطبيعة حقوق الإنسان بين موروثكم الثقافي وإن كانت تعتريه مجموعة من التناقضات والمقام هنا لا يسمح لذكرها، وبين الأسس الفكرية والفلسفية الغربية لثقافة حقوق الانسان التي أعطت روحا متجددة لإنسانية الإنسان. ولكن المشكل ليس هنا فلو كانت ديمقراطيتنا تحترم نفسها لما أدخلتنا وأقحمتنا بمرجعيتين متنافرتين لا يمكن البتة أن تتعايش ولن تتعايش، فتارة تطبل للمنظومة الحقوقية، وتارة أخرى تقيدها بالموروث الثقافي وبدافع الخصوصية، وبالتالي فالمشكل ليس هنا، المشكل هو أنه كيف لنظام سياسي أن يكون طرفا محايدا في ظل مجتمع يعيش تحولا فكريا، فضلا عن تواجد الأقلية فيه في ظل أغلبية محافظة، تمثلها نيابيا للدفاع عن مصالحها والترافع عنها والدفاع عن حقوقها لا سيما من خلال تشريعاتها التي في أبعد الأحوال ستكون في كف صالح الأغلبية ضد الأخرى، وفي نفس الوقت يجب على الكل الانحناء والاحترام لهاته التشريعات والقوانين!! أترى معي المشكل مشكلا ديمقراطيا في أساسه، لا يحترم التحولات الفكرية المجتمعية ليس فقط في سلطته التشريعية بل حتى التنفيذية والقضائية، هاته الاخيرة في نهاية المطاف تكون نصوصية حرفية ملزمة بتنزيل النص التشريعي لا أقل ولا أكثر .

وهذا النقاش يحيلنا بالسؤال والتساؤل حول هل نعيش في كنف الدولة المدنية أم الدولة الدينية؛ مَهْلك لا تقاطعني أيها الأخ، فأي إجابة تكون حاسمة، دعني أسهل عليك الأمر، ليس هناك إجماع على أي شعب أن ننسب إليه بالشعب المحافظ التقليدي، يتبنى موروثه الثقافي كما هو ويرضى بالعيش تحت عباءته، وإن كان عامته يدافعون عن ذلك جهرا، ففي خفيته هناك العجب العجاب، وعندما أقول الشعب هاهنا أخص بالذِّكر الشعوب العربية كافة. 

كما أحيطك علما أيها الأخ، تطبلون دائما بشكل الدولة وطبيعة الحكم وفق تصور أفكاركم للدولة الدينية، أُحيلُك لمقالة معنونة بنقد الفكر الديني لصاحبها سفيان ناشط حيث جاء في مضامين المقالة: بالرغم من أنه ليس هناك نص من القرآن أو السنة يلزم المسلمين بشكل معين من الحكم، ولا وجود لنص ينهاهم عن شكل معين من الحكم، المطلوب الوحيد هو الحكم بالعدل وبما أمر الله ولكن دون أن يقتضي ذلك قيام نوع معين من الدولة، كون أن النص القرآني لم يأتِ بنظرية سياسية إلا أن التاريخ أجبر المسلمين على الاجتهاد في أمور السياسة والدولة، ورغم ذلك لم يخلف لنا التاريخ في تفاعله مع النص ما يمكن تسميته “دستور الدولة الإسلامية”، وعليه فإن الإسلام قد جاء بمبادئ عامة للحكم، ولم يفرض نظاما محددا، لأن ذلك قابل للتطور مع الظروف الاجتماعية والسياسية ويختلف باختلاف الحقب التاريخية وما يتطلبه ذلك من دور الدولة.

تدخل الأخ بعدما شعر أنه عليه أن لايطيل أمد هذا الحوار، فهو العالِم بخبايا مثل هكذا نقاشات لما قد تؤديه مخرجاتها السلبية، لذلك كان جد دقيق في التعقيب والتعليق لما أبدته الرفيقة في مرافعتها ضده، وقال: تتحدثين عن الديمقراطية وتدافعين على أن أصل المشكل هو مشكل ديمقراطي بإمتياز، لابأس بذلك فضلا. نعرف كلنا أنه ليس هناك ديمقراطية حقيقية بدون شعب واعٍ، وعندما أقول لك الوعي أعي به النضج المعرفي والعلمي ثم الأخلاقي ومسألة القيم، ثقافةً وممارسة، وليس فقط عناوين وخطابات جوفاء، فهل نحن مجتمع ديمقراطي؟ وبالتالي هنا تسقط ديمقراطيتك وإن كانت توطَّد بالممارسة وتكتسب كما يقول المرحوم محمد عابد الجابري، لكن ليس معناه أن تأتي بثقافة الغربي بحمولاته الفكرية والأدبية وطبيعة نظمه السياسية ومميزات طبائعها، وتسقطيها إسقاطا على مجتمع مغاير تمام، وتفرضين عليه أن يحتكم ويحترم ذلك كما اعتبر ذلك محمد عابد الجابري نفسه.

وقبل أن ينهي مرافعته نظر في عيونها مباشرة رغم أنه من بداية أطوار النقاش أبى أن ينظر إليها مباشرة، وقال لها: بالرغم من وقاحة لسانك إلا أنك فاتنة، وقد أحببتك صِدقا، فهل تقبلين أن تكوني زوجتي الثانية، حينها يمكن أن أُعَرِّف لك معنى حرية التعبير في ظل منظومة حقوق الإنسان بين الخصوصية والكونية، وأريك شكل وطبيعة النظم السياسية وتوازن سلطها في ظل الممارسة، وبالتالي سيكون لنا الوقت الكافي للنقاش والصراع الحِبِّي، وأنا مستعد إن أنت أقنعتني بإديولوجيتك أن أتبناها جملة وتفصيلا  .

وماكان عليها إلا أن تصفعه على وجهه قبل أن ينهي معالم موقفه، قائلة: ولئن بقيت لوحدي عازبة في هذه الدنيا البئيسة لن تمس خصلة من شعري، وما بالك بعرضك العفن أيها “المختل الدعشوشي الرجعي الظلامي”. 

لم يتمالك الأخ نفسه حتى أصبحت كل خصلات شعرها تحت حكمة وقبضة يديه ينهال عليها بالرفس والركل وتبادله هي الأخرى بنفس الشيء، لكن كل ذلك تحت الحزام، وتعالت بهذا أصواتهما صراخا وصياحا، وامتزج الضجيج الإنساني بالضجيج الطبيعي وكأن الجو تطاير منفجرا في عبوة ناسفة.

لم يتمالك أحد الجالسين في المقهى نفسه بعدما صفعته قنينة ماء على وجهه، وكان كل تركيزه النسبي في التسجيل بأحد مواقع القنصليات لمتابعة دراسته العليا وشيء من هذا القبيل، فاستشاط غضبا بهذا الفعل المشين، سيما وأنه لم ينهي حتى إبريق شايه المر، وزادت المرارة أنه لم يكن يحمل مالا لأداء الفاتورة، وما كان صاحبنا إلا الكاتب نفسه، وبهذه الحمولة توجه مباشرة لطرفي الصراع بالقول: هل هذا هو الحوار، هل يعقل أن يكون الحوار حوارا ومخرجاته انتهت بهاته الطريقة، وتقولون نحن أصحاب فكر ومشروع، ما هكذا يكون الحوار أيها الاخ والرفيقة، بل هذا حوار عقيم. واستغل الكاتب فرصة الضوضاء والهرج المفتعل والمصطنع، وفر هاربا دون أن يؤدي ثمن الخدمة لصاحب المقهى.

انتهَتْ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *