تدوينة متصدرة

النسق السياسي المغربي

قراءة في التوجه السياسي

يعد النسق السياسي المغربي ذا طابع مميز عن غيره من الأنساق السياسية في التجارب المقارنة، ذلك يرجع إلى طبيعة نظامه الذي يتشكل من تركيبة خاصة وأجزاء موحدة تجعله منسجما داخليا، كما أنه يتميز بمفاهيم تتحكم فيه وقوانين تضبطه وتسمح باستمراريته، هذه المفاهيم التي تشكل مجموعة بنيات داخل النسق الكلي والتي تتكون هي الأخرى من عدة عناصر تؤدي كل واحدة منها العديد من الأدوار والوظائف، التي تنعكس بالضرورة على الوثيقة الدستورية التي تعتبر مخرجات تترجم الصراع القائم بين موازين القوى ضمن النسق السياسي في لحظة دستورية معينة.

هذه الوثيقة الدستورية التي ظهرت في البداية بأوروبا لتجسد العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين، وتحدّ بالتالي من سلطة الحاكم وتعقلن المعترك السياسي، ثم ما فتئت أن انتقلت إلى العالم الإسلامي عبر العديد من القنوات كان أهمها الاستعمار، لتتشكل فئة مثقفة أبانت عن وعي دستوري متقدم بالنظر إلى تلك الفترة التي اتسمت بالضعف والتخلف الذي كان نتيجة طبيعية للانغلاق السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، مما حدى بتلك الطبقة المثقفة إلى المناداة بضرورة إجراء إصلاحات عميقة ذات بعد سياسي بالدرجة الأولى.

من هنا بدأت المذكرات والمشاريع الدستورية تُنشر في بعض المجلات والجرائد الوطنية، كلسان المغرب الذي نشر مشروع دستور 1908، هذه المشاريع التي حملت في طياتها الكثير من المفاهيم التي تجد سندها في المنظومة الغربية، غير أن مختلف هذه المذكرات والمشاريع لم يتم تبنيها من قبل النظام السياسي آنذاك الذي حافظ طابعه التقليداني الذي يزاوج بين بنيتين “زمنية وروحية”، تجد تجلياتها في الشأن الديني خاصة من خلال إمارة المؤمنين، والسلطة المركزية من خلال مسمّى المخزن.
هذا الوضع الذي ستعمل سلطات الحماية على ترسيخه مع إحداث تغيرات طفيفة، كان الهدف منها تيسير عملية الاستفادة من خيرات المغرب لكن سيكون لها بالغ الأثر في إحداث تحول نوعي على النسق السياسي المغربي، هذا الأخير الذي سيخرج من عهد الحماية بشكل يزاوج بين طابع تقليداني يتمثل في الإرث المخزني والشأن الديني، وبين طابع حداثي يتمثل في الأخذ بالمفاهيم والمؤسسات الحديثة ذات الأصول الغربية.

وهو الأمر الذي ستعمل المؤسسة الملكية على تكريسه في اللحظة الدستورية لسنة 1962، بعد أن حسمت الصراع مع الحركة الوطنية حول مسألة السلطة التأسيسية الأصلية.
شكلت فترة الاستقلال محطة مهمة في المسار السياسي المغربي على اعتبار ما شهدته الحياة السياسية المغربية من صراع محتدم، استعملت فيها كل الوسائل والآليات المتاحة لكلا الطرفين المتصارعين حول سؤال من صاحب السلطة التأسيسية الأصلية، وبالتالي من يضع الدستور وكيف يضعه؟ ذلك أن الحركة الوطنية كانت تريد أن تستأثر بالحكم وترفع شعار الملكية الدستورية وتقصد به الطابع البرلماني الذي تسود فيه الملكية ولا تحكم، ذلك على غرار ما وقع في معظم التجارب المقارنة التي عرفت نفس السياق والتي وضعت حركاتها الوطنية الدستور بمجرد أن حصلت بلدانها على استقلالها، إلا أن الأمر عندنا في المغرب قد اتخذ مسارا مغايرا، إذ على الرغم من شرعيتها النضالية وعلى الرغم من تمثيلية بعض الأحزاب المنبثقة عنها كحزب الاستقلال ذي المليوني منخرط والذي شكل قوة جماهيرية مهمة مكنته من أن يقف كندٍّ للمؤسسة الملكية، فإن هذه الأخيرة تمكنت من التفوق في الصراع وأبانت عن حنكة سياسية عميقة، تمظهرت تجلياتها في الآليات التي استعملت من طرفها في الصراع وأدت إلى كسب الزمن السياسي من جهة وإضعاف الحركة الوطنية من جهة أخرى.

هذه الآليات التي يمكن إجمالها في ما هو قانوني وماهو مؤسسي، ذلك أن المؤسسة الملكية قد عملت على إصدار ظهير الحريات العامة واستأثرت بوضع القانون الأساسي للمملكة، كما عمدت إلى الاستفراد بإحداث المجلس الوطني الاستشاري وعجلت بإجراء انتخابات محلية وأنشأت مؤسسة القوات المسلحة الملكية…، إلى غيرها من الآليات والوسائل التي مكنت المؤسسة الملكية من ترسيخ مبدأ التعددية في العملية السياسية الذي قطعت به الطريق عن حزب الاستقلال لتحقيق حلمه في الحكم لوحده، وازداد الحزب ضعفا من خلال اعتماد الملكية في الانتخابات المحلية على مسمّى الأعيان الذي كان لهم دور حاسم في الاستحقاقات الانتخابية، خاصة إذا ما استحضرنا أن 80٪ من التراب المغربي كان ضمن المدار القروي، إضافة إلى حل جيش التحرير وإحداث القوات المسلحة الملكية.

كل هذه الآليات كانت ذات أثرٍ فعال في كسب الزمن السياسي وتأخير إصدار الدستور إلى حين إعادة ترتيب المؤسسة الملكية لأوراقها بشكل تسيطر به على المشهد السياسي برمته، وقد ظهر ذلك جليّاً في خطاباتها التي أظهرت أن معطى السيادة يتمثل في شخص الملك، وانطبعت هذه الخطابات بازدواجية المشروعية التاريخية/الدينية والمشروعية النضالية، بل أكثر من هذا تبنَت وبشكل استباقي بنيات حديثة وألبستها لباساً تقليدانيا، الأمر الذي اكسبها تعاطف ورضا شريحة كبرى من الجماهير، لتتوج ذلك كله بوضع مشروع دستور 1962 الذي سيتم إقراره بموجب الاستفتاء الشعبي من نفس السنة.

—————–

المراجع:

– محمد معتصم، النظام السياسي المغربي، دار مغرب إزيس، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 1992.
– عبد العلي حامي الدين، الدستور المغربي ورهان موازين القوى، منشورات وجهة نظر، الطبعة الأولى، الرباط، 2005.
– جون واتربوري، أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية، مؤسسة الغنى، الطبعة الثالثة، بيروت، 2009.
– بندورو عمر، النظام السياسي المغربي، مكتبة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2002.
– ريمي لوفو، الفلاح المغربي المدافع عن العرش، منشورات وجهة نظر، الطبعة الأولى، الرباط، 2011.
– عبد اللطيف اگنوش، واقع المؤسسة والشرعية في النظام السياسي المغربي على مشارف القرن 21″، مكتبة بروفانس، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 1999.
– ضريف محمد، المغرب في مفترق الطرق: قراءة في المشهد السياسي، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الطبعة الأولى، 1996.
– محمد نبيل ملين، فكرة الدستور بالمغرب وثائق ونصوص، طبعة تيل كيل ميديا ومؤسسة جاك بيرك، الطبعة الأولى، 2017.

النسق السياسي المغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *