إيجابيات الأزمات

وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم

أكدت دراسة حديثة أن ما نعيشه اليوم يعد أكبر حجر صحي عرفته البشرية حتى الآن!!

وبعيدا عن كل التأويلات السياسية والاقتصادية المتداولة، وحسب موقع “new scientist” فإن حجم جينومات فيروس كورونا يتراوح حوالي 26000 إلى 32000 قاعدة أو حرف في طول RNA (حمض نووي منسوخ).
لكن، وعلى الرغم من ضآلته حيث لا يتجاوز قطره 125 نانومترا، إلا أنه ساوى بين كل الجنسيات والأعراق والإيديولوجيات وطبقات المجتمع؛ كائن نعجز عن رؤيته بالعين المجردة استطاع أن يقوم بما عجزنا عن فعله منذ قرون، فجعلنا نعيد التفكير في أولوياتنا وأعاد للإنسانية والقيم الغابرة مكانتها بين مختلف الشعوب والطوائف والأديان.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هل فعلا سوف نشهد تغييرا جذريا في مجتمعاتنا لاحقا ؟أم بتجاوزنا لهته الآفة سنستمر من حيث توقفنا؟
إن ما نمر به اليوم ليس أكثر من أزمة عالمية جعلت كلا منا على صغر أو كبر مكانته يعيد حساباته ويفكر مليا في خططه المستقبلية وحتى في أسلوب حياته وما كان يقوم به سابقا وأن ينظر لبعض تصرفاته وقراراته من منظور مختلف.
في طيات الأزمات تختفي إيجابيات كثيرة مقارنة بسلبياتها فعلى الرغم من عدد الإصابات والوفيات المتزايد على حد سواء في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من فتكه بالاقتصاد العالمي وبالعديد من الدول الرائدة وأنه قد يؤدي بالاتحاد الأوروبي إلى التفكك، إلا أنه أعاد تنظيم المبادئ وجعل لكل ذي حق حقه وجعل كل واحد مهما علا شأنه يشعر في قرارات نفسه بضآلته وصغر حجمه أمام خالق هذا الكون. وكما قالت مي زيادة “كل زمن خطير في التاريخ كان زمن اضطراب و كوارث؛ فأعظم فوائد الإنسانية نجمت عن عصور العذاب والخطر. ولا يعرف شأن ذي شأن إلا يوم الكراهة والعاصفة لا تقتلع إلا ضعيف الغراس أما الأشجار ذات الحيوية العصيبة فالأعاصير تهزها هزا عنيفا فلا تزيدها إلا قوة و مناعة”.
فهذا الكائن الغير مرئي علمنا جميعا أنه ليس هنالك ما يضاهي صحة الفرد فلا الاقتصاد ولا الحرية ولا حتى الشعائر الدينية تساوي شيئا أمام سلامة الأشخاص، وكما قال علي عزت بيجوفيتش “عندما تكون في السجن تكون لك أمنية واحدة الحرية، وعندما تمرض في السجن لا تفكر في الحرية بل في الصحة ..الصحة اذن تسبق الحرية”.


كورونا أتاح لنا الفرصة لمعرفة ذواتنا واكتشاف خبايا أنفسنا وتطوير مهاراتنا ومكتسباتنا.


قرأت مؤخرا أن سنة 1665 تفشى الطاعون في بريطانيا وبالتحديد في لندن حيث كان إسحاق نيوتن يتابع دراسته الجامعية في جامعة كامبريدج واستمر الحجر لمدة سنتين، خلالها طور العالم نيوتن نظريتي التكامل والتفاضل وساهم من خلالهما في تقدم البشرية بشكل كبير في العديد من المجالات كالتصوير الفوتوغرافي والذكاء الاصطناعي وتصميم السفن وهندسة الجسور وما إلى ذلك ـ خلال فترة كانت تعد فترة عجز وسبات!! ـ
كل هذا يجعلنا على ثقة أن ما يكون سبب ضعفنا اليوم هو قوتنا غدا وما يسقطنا أرضا ويجعل قوانا خائرة في لحظة هو ما يدفعنا للتقدم والمضي قدما في وقت لاحق ولا شيء يعلمنا الإصرار والإرادة والثبات سوى تحملنا لأمور قد تسوؤنا وأزمات تثقل كاهلنا وأمراض وأوبئة تؤرق مضجعنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *