“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الثاني

بحث تاريخي سياسي مفصل عن قضية الصحراء المغربية

لقراءة الجزء السابق من البحث:
“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الأول


التراث “الجغرافي” للصحراء سيصبح ثانَوياً ما قبل 1958 وأساساً “علمياً” من بعده، وذلك بفضل حاجة إسبانيا الضعيفة للحفاظ على حصتها المتواضعة من الإرث الإستعماري -15- الأمر الذي أدى إلى إعلان الساقية الحمراء ووادي الذهب مقاطعتين إسبانيتين بإدارة حاكم عام تابع لرئاسة الحكومة في مدريد وحاكم عسكري تابع لقيادة جزر الكناري العسكري، وذلك وفق المرسوم الصادر في 10 كانون الثاني (يناير) 1958، استتبع ذلك تحديد دقيق للحدود من ناحية الشمال بين منطقة النفوذ الإسباني شمال رأس كانسادور في أقصى جنوب تيريس الغربية ومنطقة النفوذ الفرنسي الواقعة جنوب هذه المنطقة، أي موريتانيا الحالية -16- التي عملت فرنسا على منحها نوعا من الحكم الذاتي بتاريخ 28 تشرين الثاني (نونبر) 1958 كمقدمة لتحويلها إلى دولة مستقلة وتشكيل أول حكومة موريتانية (1960) -17-.
تَرافَقَ مع هذا التطور الحاصل في الأقاليم الجنوبية بعد مؤتمر “بوخشيبة” الذي شكل لحظة أساسية للانفراد في مواجهة الاحتلال الإسباني داخل المنطقة التي ارتسمت حدودها وبشكل واضح منذ عام 1958، بدأت الخصوصية الصحراوية تنمو على قاعدة العلاقة الثنائية (إسبانيا الصحراء) وتنمو معها سياسة جديدة عام 1960 جرى خلالها تشكيل مجلس الأربعين أو آية الأربعين، كهيئة تمثيلية للسكان تضم زعماء القبائل وتتمتع بسلطة ونفوذ على مجموع السكان، وتناقش أمورهم مع سلطات الاحتلال، وفي 19 نيسان (أبريل) 1961 ستُصدِر الحكومة الإسبانية وثيقة تعتبر الصحراء جزءا من إسبانيا (الساقية الحمراء ووادي الذهب مقاطعتان إسبانيتان والعيون عاصمة للصحراء) -18-.
بالموازاة مع بروز هذه الوثيقة التي أصدرتها الحكومة الإسبانية، أفرزت السنوات الأولى من الستينات ثلاثة أمور -19-:
• أولا: بداية صراع صامت مغربي إسباني حول الصحراء يدور في أروقة الأمم المتحدة حينا وفي عواصم البلدَيْن حينا آخر.
• ثانيا: بداية سياسة إسبانية محلية قوامها تركيز قوة ذاتية طيعة في يد الحاكم العسكري وتستخدم كتغطية لاستمرار السيطرة.
• ثالثا: جمود النضال السياسي الصحراوي وذلك كنتيجة مباشرة لتصفية جيش التحرير ولقطع العلاقات مع القوى السياسية المغربية ولغياب الطليعة المحلية القادرة على قيادة مواجهة داخلية وثنائية بدون تدخل.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر لدرجة استلزمت إسبانيا تطوير المجتمع الصحراوي من خلال إدخال ممثّلِيه في البرلمان الإسباني، ففي انتخابات الجماعة التي جرت سنة 1971 انتخب (خطري ولد سعيد الجماني) رئيسا (وبابا ولد أحمد) نائبا للرئيس، كما انتخب ستة نواب لعضوية الكورتيس: (أصيلة ولد عبيدة) و(خطري ولد سعيد ولد الجماني) و(جولي ولد النن) من قبيلة الرقيبات، (أحمد ولد ابراهيم ولد البشير) من قبيلة أزرقيين، و(السويلم ولد أحمد الإبراهيمي) و(بابا ولد حسنا) من قبيلة أولاد الدلايم. وقد استمرت عضوية هؤلاء النواب الستة لغاية عام 1975 حيث التحقوا بالمغرب، ومنهم من أصبح عضوا في البرلمان المغربي -20-.
إن تقاطُع وجهات النظر -كما سبقتِ الإشارة- بين القوى الوطنية وجيش التحرير بالأقاليم الجنوبية، ساهَم في تعميق الفجوة بين الموقف الرسمي للدولة وجيش التحرير بالأقاليم الجنوبية، لذا فإن نتائج هذا التعارُض اتّسمَت ببروز تيار يؤمن بالكفاح المسلح ويرفض كل أشكال الدبلوماسية أمام المستعمر الإسباني، هذا الأخير ارتبط بشخص (ولد سيد ابراهيم البصيري)، حيث كان متحمسا ومهووسا بتحرير الصحراء إلى جانب (مصطفى الوالي)، بدأ البصيري نشاطه الدعائي في جامع مدينة السمارة، وأخذ يتحول فيما بعد إلى الاتصالات السرية المباشرة بأقربائه وأصدقائه المخلصين، والذين سيشكلون فيما بعد الحزب الذي يعرف باسم حركة تحرير الصحراء الذي أطلق عليه الإسبان اسم المنظمة الإسلامية أو ما يعرف “بالحزب الإسلامي” -21-، والذي سطّر برنامجه السياسي بناءً على ثلاثة أهداف تمثلت في:
1. تحرير الصحراء من الوجود الإسباني؛
2. الانضمام إلى المملكة المغربية مع الاحتفاظ بحقوق السكان كاملة؛
3. طريق التحرير هي الحرب المسلحة المعتمدة من جيش وطني للسكان المنطقة -22-.
بعد فشل محاولة الحزب الإسلامي قبل ولادتها، خاصة بعد “أحداث الزملة” -الاضطرابات التي وقعت في 1 يونيو عام 1970 والتي بلغت ذروتها في مجزرة الفيلق الإسباني ضد المدنيين في الزملة بنواحي مدينة العيون – بدأت تختمر فكرة الحل المسلح من جديد في شكل ثلاثة تنظيمات، تعد النواة الأساسية التي أنشأت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “البوليساريو” في 10 ماي 1973، هذه التنظيمات الثلاث تكونت من: جماعة من المناضلين المناهضين للاستعمار، والتي كانت من قبل تنشط في تنظيم أولي عرف باسم حركة تحرير الصحراء (الحزب الإسلامي)، التي التفت حولها نواة من الطلبة الصحراويين العائدين من المغرب على رأسهم مصطفى الوالي، ثم جماعة من قدماء المحاربين في النضال ضد الاستعمار، والتي تمركزت في الزويرات بموريتانيا، إضافة إلى جماعة من الشباب ذوي الثقافة العالية نسبيا من مختلف مناطق الصحراء، والبعض منهم تابع دراسته بالخارج -23- هذه التنظيمات الثلاث أسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب أي ما يعرف “بالبوليساريو” في مؤتمرها الأول، وكونوا الهيئات المسيِّرة، حيث انتخبوا لجنة تنفيذية من سبعة أعضاء، ومكتب سياسي من 21 عضوا وأصدروا قانونا داخليا، وأصدروا توصيات حول إيجاد تنظيمات جماهيرية للنساء والعمال والشباب وتوصية حول الطفل -24-.

يتبع…

المراجع:


15- علي الشامي: الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، الطبعة الأولى بيروت لبنان 1980 ، ص 132.
16- لم يعترف المغرب بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، إلا سنة 1969، وفيما يخص ميلاد موريتانيا وعلاقتها بقضية الصحراء، انظُر مقال خالد الغالي؛ المغرب وميلاد موريتانيا، مجلة زمان – العدد 7، ماي 2014.
17- علي الشامي الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، مرجع سابق ص 132.
18- علي الشامي: مرجع نفسه ص 134.
19- علي الشامي: مرجع نفسه ص 134.
20 – علي الشامي: الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، مرجع سابق ص 138.
21 – علي الشامي: مرجع نفسه ص 136.
22 – علي الشامي: الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي،مرجع سابق مرجع سابق ص 138.
23- مسعود شعنان: نزاع الصحراء والشرعية الدولية”حقوق الإنسان وحق الشعوب المستعمرة في تقرير المصير” ، أطروحة دكتوراه في القانون العام، جامعة بن يوسف بن خدة، كلية العلوم السياسية والإعلام ، سنة الجامعية 2007/2008 ص 112 113.
24 – عبد الحكيم بديع: البولبساريو من التأسيس إلى التفكك؛ الطبعة الأولى 1995، ص 33.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *